تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
العذاب ، باذلا أقصى ما يبلغه المجاهدون من التضحية دون من ولا استكثار « 1 » . وتعالج سورة « التكوير » ثلاث حقائق لا تنقطع صلتها بالعقيدة والإيمان : حقيقة الانقلاب الكوني يوم القيامة ، وحقيقة الوحي الخالد والدعوة العالمية ، وحقيقة الإرادة الإنسانية المرتبطة بمشيئة اللّه العليم الحكيم « 2 » . أما الانقلاب الكوني فيبدو في مطلع السورة هائلا مروعا ، يشمل الشمس التي بردت وانطفأت شعلتها ، والنجوم التي انتثرت وانطمس ضياؤها ، والجبال التي نسفت وذريت هباء في الهواء وسيرت كالسراب ، ومرت مر السحاب ، والنوق الحبالى في شهرها العاشر وقد أهملت من الفزع في كل مكان ، مع أنها لدى العربي أجود النياق ، والوحوش الشاردة في الشعاب وقد تجمعت من الهول وتلاصقت منها الجنوب ، والبحار التي التهبت مياههن حتى تفجرت بالنيران ، وفاضت بالحمم والمحرقات ، والأرواح المتجانسة وقد انضم بعضها إلى بعض في زمر وأزواج ، والأنثى التي وئدت في غلظة يطرح عليها وحدها سؤال ، وتخص وحدها بالاستجواب : ما سر وأدها ؟ وكيف يكون إنسانا من أقدم على وأدها وهي على قيد الحياة ؟ ويشمل هذا الانقلاب الكوني أيضا نشر صحف الأعمال حتى لا تخفى يومئذ خافية ، وإزاحة السقف المرفوع في القبة الزرقاء ، وتسعير الجحيم وإذكاء حرها بوقودها من الناس والحجارة ، وتقريب الجنة من السعداء حتى لتبدو كالعروس في زينتها تغري خطيبها بالدنو منها والالتصاق بها واستنشاق عبيرها ، فيومئذ تعلم كل نفس ما قدمت وأخرت ، وما أحضرت معها من زاد يخفف عنها شيئا من العذاب ! وتمهيدا لذكر الحقيقة الثانية المتعلقة بالوحي وطبيعته ، ينتقل السياق إلى
هامش
( 1 ) قارن بتفسير الطبري 29 / 90 . ( 2 ) انظر تفسير الرازي 8 / 337 .