تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
مصراعيه حتى عند أصحاب النقل والنص ! والمستشرق بلاشير بدلا من أن يرى في تفكير الواحدي هنا محاولة للاجتهاد والاستنباط ، يستشعر فيه ضربا من استسلام اليائس الذي انقطع كل رجاء عنده في معالجة الموضوع ، فاعترف بجهله ووجد السلامة في هذا الاعتراف ! « 1 » . . . ولا نرى بلاشير في هذا إلا مغاليا ، فليس من شأن العلماء أن يقطعوا جازمين في أمر خطير كالذي يتعلق بترتيب الوحي القرآني ، وإنما حسبهم أن يحاولوا - كما صنع الواحدي - ترجيح شيء على شيء ، والجهل لا يعالج دائما بالقطعي من الأمور ، فالترجيح وحده كاف لتحصيل العلم والمعرفة . وليست غايتنا هنا الدفاع عن الواحدي ، بل التنبيه على أنّ كثيرا من جزئيات المكي والمدني انتهى به العلم إلينا عن طريق الاجتهاد ، وأنّ العقل كالنقل ، والقياس كالسماع ، في ثبوت العلم بالشيء . وقد لاحظ الجعبري هذا حين قال : « لمعرفة المكي والمدني طريقان : سماعي وقياسي « 2 » » ، وعرّف السماعي بأنه « ما وصل إلينا نزوله بأحدهما » ، ثم أنشأ يذكر أمثلة وشواهد على القياسي . وإذا قرنا أمثلته بأمثلة العلماء الذين مارسوا القرآن وتذوقوا فنونه وأساليبه استنبطنا من مجموعها ضابطا قياسيّا نستطيع به أن نميز السور المكية والمدنية ، ونتعرف إلى طابع كل منها وخصائصه ، وسنرى أنّ هذا الضابط قلما يتخلف عند التطبيق ، فمن خصائص السور المكية تبعا لهذا الضابط : 1 - أنّ كلّ سورة فيها سجدة فهي مكية « 3 » .
هامش
( 1 ) انظرblachere , intro . cor . , 263( 2 ) البرهان 1 / 189 والاتقان 1 / 29 . ( 3 ) الاتقان 1 / 29 وقد لاحظ المستشرق بهلbuhlأن اسم اللّه « الرحمن » ليس له ذكر في السور المدنية ، فهو من خصائص القسم المكي . وما أهون الرد عليه بسورة الرحمن عند من ذهب إلى مدنيتها ، ولكن الجمهور على أنها مكية ( الاتقان 1 / 20 ) وانظرencycl . de l'islam , ii , 1137 bوأوضح من هذا في الرد عليه قوله تعالى :وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُالآية 163 من سورة البقرة . وهي مدنية بلا خلاف .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 181 | صبحي الصالح