في المدينة ، وقد خلت السور المكية خلوا تاما من ذكر الجهاد وكل ما يتعلق بالحرب .
ولو أخذنا برأي أبي القاسم النيسابوري الذي التزم المنهج التاريخي الزمني في ترتيب المكي والمدني لكان علينا - تطبيقا له وتأثرا به - أن نقسم كلا من السور المكية والسور المدنية إلى ثلاث مراحل : ابتدائية ، ومتوسطة ، وختامية ، ولا نتجشم كبير عناء في تعيين هاتيك المراحل إذا عولنا على أصح الأسانيد وأخذنا بمقاييس النقّاد المحدّثين . وترددنا في القسم المدني سوف يكون يسيرا بل لا يكاد يكون شيئا مذكورا ، إذ انتشر في المدينة الإسلام ، وحفظ القرآن ، وكثر القراء الكاتبون ، وتيسرت وسائل النسخ والنقل والرواية والتفقه في الدين . أما القسم المكي فقد كان منطق الأحداث نفسه يقتضي وقوع التردد في تصوير مراحله ، ولا سيما في أوائله ، لأن الإسلام بدأ بمكة غريبا ، ولم يؤمن برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أعوام الوحي الأولى إلا نفر قليل ، فلم يتيسر لغير السابقين الأولين منهم تقصي أطوار التنزيل ، وتحري أوائلها على وجه التحديد .
بيد أنّنا إن ندع جانبا ما اختلف العلماء المحققون في ترتيبه الزمني وعجزوا فيه عن تعيين السابق والمسبوق ، لا يتعذر علينا أن نضع أيدينا على زمر متشابهة ، وفصائل متماثلة ، تبرز فيها ملامح صريحة نجزم معها بأنها مرحلة أولى أو متوسطة أو نهائية في مكة أو في المدينة .
فمن السور التي اتفق المؤرخون والمفسرون على أنها من أوائل الوحي ، أو أنها بعبارتنا الحديثة من المرحلة المكية الأولى : الغلق ، والمدثر ، والتكوير ، والأعلى ، والليل ، والشرح ، والعاديات ، والتكاثر ، والنجم .
ومن المرحلة المتوسطة في مكّة : عبس ، والتين ، والقارعة ، والقيامة ، والمرسلات ، والبلد ، والحجر .
ومن المرحلة الختامية في مكة : الصافات ، والزخرف ، والدخان ، والذاريات ، والكهف ، وإبراهيم ، والسجدة .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 185
مساهمون: صبحي الصالح
ص١٨٥