تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وهذه الزمر الثلاث - وإن بدت سمات المكي واضحة عليها - تتفاوت تفاوتا يسيرا فكرة وأسلوبا ، حتى لتبدو كل زمرة منها ، بل كل سورة منها ، وحدة فكرية إيقاعية قائمة بذاتها . وما سنلمحه في تحليلنا الخاطف لها لا يعدو الإيماء إلى أبرز ما يتمثل في ألفاظها وفواصلها والعقائد التي انطوت عليها آياتها المعجزات . ففي سورة العلق - التي رأينا في فصل ظاهرة الوحي أنها أول ما نزل من القرآن « 1 » - تصوير حي لأضخم حدث في تاريخ البشر شهدت به الإنسانية نفسها تولد ميلادا جديدا يصلها بالسماء وأسرارها ولا يلصقها بالأرض وأوحالها ، فيوجه المقطع الأول من هذه السورة محمدا رسول اللّه إلى الاتصال بالملإ الأعلى والقراءة باسم اللّه « 2 » ، فمنه المنشأ وإليه المصير ، وهو الذي كرّم الإنسان بتعليمه أسرار الوجود ، وتمكينه من استعمال « القلم » رمز العلم والتعليم ، مع أنه خلقه من شيء مهين ، « من علق » دم جامد عالق بالرحم في قرار مكين « 3 » . وفي مطلع سورة المدثر - وقد نزل كما رأينا بعد فترة الوحي « 4 » - ينادي اللّه نبيه إلى قيام لا نوم فيه ، ونشاط لا يعرف الكسل ، فليثب من فراشه وثبا ، وليترك الدثار الدافئ ، فإن أمامه كفاحا طويلا ثقيلا : إن الخطر القريب يترصد الضالين الغافلين ، فعلى رسول الهدى أن يوقظ الهجّع الرقود ، مكبرا ربه العظيم ، مستصغرا كل كيد في هذا الوجود ، مطهرا ثيابه أمارة على طهارة قصده ، هاجرا كل شرك ودنس ، محاربا بلا هوادة كل موجبات
هامش
( 1 ) راجع ذلك الفصل وقارن بصحيح البخاري 1 / 7 بدء الوحي . ( 2 ) يراد بالقراءة هنا تلاوة النبي ما نزل من الوحي بإلهام من اللّه ، لا القراءة من شيء متوب لأن النبي كان أميا لا يقرأ ولا يكتب . ولذلك قال لجبريل : « ما أنا بقارئ » . ونتفق في هذا مع بهل في مقالته بدائرة المعارف الإسلامية . انظرbuhl , encyclopedie de l'islam , ii , 1124 b( 3 ) قارن بتفسير الطبري 30 / 161 . ( 4 ) راجع فصل « ظاهرة الوحي » . وقارن بصحيح البخاري 6 / 101 .
مباحث في علوم القرآن — صفحة 186 | صبحي الصالح