مدنية أو آيات مدنية من سورة مكية ، وفي ترتيب ما نزل بمكة أو المدينة ، وفي الخصائص الأسلوبية أو الموضوعية لكل من المكي والمدني ، ثم لا يفصل في الاختلاف إلا بضرب من الاجتهاد .
فإذا زعم النحاس « 1 » أن سورة النساء مكية مستندا إلى أن قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
« 2 » نزل بمكة اتّفاقا في شأن مفتاح الكعبة ، تصدى له السيوطي يضعف رأيه قائلا : « وذلك مستند واه ، لأنه لا يلزم من نزول آية أو آيات من سورة طويلة نزل معظمها بالمدينة أن تكون مكية ، خصوصا أن الأرجح أن ما نزل بعد الهجرة مدني . ومن راجع أسباب نزول آياتها عرف الرد عليه . ومما يرد عليه أيضا ما أخرجه البخاري عن عائشة قالت : « ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده » ، ودخولها عليه كان بعد الهجرة اتفاقا » « 3 » .
وإذا كان في كل من المكي والمدني آيات مستثناة ، فمن العلماء من اعتمد في استثنائها على الاجتهاد دون النقل « 4 » . ولا يعارض هذا ما ورد عن ابن عباس : « كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ، ثم يزيد اللّه فيها ما شاء » ، لأن إلحاق المكي بالمدني أو المدني بالمكي يعرف وجه الحكمة فيه حينئذ عن طريق الاجتهاد : مثاله سورة الإسراء فهي مكية ، إلا أنهم استثنوا منها
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
« 5 » فرجحوا أنها آية مدنية « نزلت في وفد ثقيف ، أتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم فسألوه شططا وقالوا : متعنا بآلهتنا حتى نأخذ ما يهدى لها . فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا ، وحرّمنا
هامش
( 1 ) هو أبو جعفر النحاس ، أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي ، من أئمة العلم واللغة بمصر ، توفي سنة 338 . له كتاب قيم في « الناسخ والمنسوخ » ( انظر إنباه الرواة 1 / 101 ) وكتابه المذكور طبع في القاهرة بمطبعة السعادة 1323 .
( 2 ) سورة النساء 58 .
( 3 ) الاتقان 1 / 19 وقد عقد السيوطي في الاتقان فصلا لتحرير السور المختلف في مكيتها أو مدنيتها عالج فيه الاختلاف بضرب من الاجتهاد ( انظر الاتقان 1 / 18 - 23 ) .
( 4 ) الاتقان 1 / 23 .
( 5 ) الإسراء 73 .