تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وأعظم - بعد هذا كله - بتعسّف الأخفش حين عدّ ارتباط سورة « لإيلاف قريش » بسورة الفيل من باب قوله :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
« 1 » فكما جعل اللّه عاقبة التقاط موسى حزنا لآل فرعون جعل العاقبة في كيد أصحاب الفيل إيلافا لقريش ! ! « 2 » . وأيّا ما يكن تكلف المتكلفين في إبراز التناسب بين الآيات والسور ، فمما لا ريب فيه أن المفسرين المحقّقين جنوا أطيب الثمر لما ضربوا صفحا عن كل تعسف ، ووسعهم أن يقتنعوا ويقنعوا الدارسين بأن هذا القرآن الذي نزل في نيّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ولأسباب متباينة ، قد تناسقت الآيات في كل سورة من سوره أكمل تناسق وأوفاه ، حتى أغنى تناسقها في مواطن كثيرة عن التماس أسباب نزولها ، وعوّض انسجامها الفني واقعها التاريخي ، ثم بدت السور كلها - بآياتها المتناسقات - مائة وأربع عشرة قلادة طوّقت جيد الزمان ! * * * ولتجدنّ القرآن أحرص الكتب على التناسق الفنّي ، ولتجدنّ علماءنا المحققين أحرص الدارسين على اقتناص أسرار تناسقه : فقد يعوّض بوجوه المناسبة بين آياته أسباب نزولها إن لم تعرف ، أو عرفت ولم تحفظ ، أو حفظت ولم تشتهر . وقد يثبت بهذه الوجوه أسباب نزولها ويزيدها اتصالا وارتباطا ، ويشيع في سياقها كله حركة ونشاطا ، وفي هذا كله ألوان من التناسق تتلاقى جميعا في علم المناسبة العظيم . وللقرآن أيضا ألوان من التناسق - من غير طريق التناسب بين الآيات - يعوّض بها أسباب النزول إذا لم تذكر ، أو يؤكد مدلولاتها بالصور الشاخصة ،
هامش
( 1 ) سورة القصص 8 . ( 2 ) البرهان 1 / 38 .