يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً ، وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ
« 1 » وبين قوله قبل ذلك : « كما أخرج أبويكم من الجنّة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما » فإنّه علّل ذلك بورود الآية الأولى على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدوّ السوءات وخصف الورق عليهما ، إظهارا للمنة فيما خلق اللّه من اللباس ، ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة ، وإشعارا بأن الستر باب عظيم من أبواب التقوى « 2 » .
وصحيح أيضا أن التنظير - أي إلحاق النظير بالنظير - وجه أدبي مستساغ من أوجه التناسب بين ذكر قوله تعالى :
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ
« 3 » وقوله قبل ذلك :
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا : لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
« 4 » ، فإن اللّه أمر رسوله أن يمضي لأمره في تنفيل الغزاة على كره من أصحابه كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير وهم كارهون ، فشبه كراهتهم تنفيله الغزاة بكراهتهم الخروج معه للقتال « 5 » .
وما على قارئ القرآن - لتستبين له وجوه التناسب بين الآيات - إلا أن يحتكم إلى ذوقه الأدبي تارة ، ومنطقه الفطري تارة أخرى ، وحينئذ يقع على ربط عام أو خاص ، ذهني أو خارجي ، عقلي أو حسي أو خيالي ، من غير أن يقوم لهذه الألفاظ في نفسه مدلولات اصطلاحية أو فلسفية ، فكثيرا ما يدور التلازم بين الآيات دوران العلة والمعلول ، فإن لم تتلاق ويستلزم بعضها بعضا تقابلت تقابل الأضداد ، كذكر الرحمة بعد ذكر العذاب ، ووصف الجنة بعد وصف النار ، وتوجيه القلوب بعد تحريك العقول ، واستخلاص الموعظة بعد سرد الأحكام .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف 26 .
( 2 ) تفسير الكشاف 1 / 59 . وقارن بالبرهان 1 / 49 .
( 3 ) سورة الأنفال 5 .
( 4 ) سورة الأنفال 4 .
( 5 ) تفسير الكشاف 1 / 114 .