تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
واستنادا إلى هذا المنطق الفطري الذي يقتنص أوجه التناسب بين الآيات برشاقة وخفة ، نحسب أن فرص الغموض في استجلاء هذه الوجوه لا تكثر إلا في الروابط بين السور ، ولو وقع إلينا كتاب أبي جعفر بن الزبير « البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن » لرأينا أنماطا من هذا الغموض ، وصورا من هذا الخفاء ، وما نظن احتفال المفسرين قليلا بهذا النوع لدقته وحسب ، بل لقلة جدواه وكثرة التكلف فيه ، فإنهم يقطعون أنفاسهم من شدة اللهاث وهم يلتمسون بين سورتين لفظين يتشابهان ، أو آيتين تتناظران ، حيثما كان موضعهما من السورتين في البداية أو الوسط أو الختام . فليزعموا أن افتتاح سورة البقرة بقوله :
ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ
إشارة إلى الصراط في قوله :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ »
« 1 » بفاتحة الكتاب ، كأنهم لما سألوا الهداية إلى الصراط المستقيم قيل لهم : ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب « 2 » . وليزعموا أن افتتاح سورة فاطر بالحمد مناسب ما قبلها من قوله :
« وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ »
« 3 » ، وأن افتتاح سورة الإسرا بالتسبيح مناسب افتتاح سورة الكهف بالتحميد « لأن التسبيح حيث جاء مقدّم على التحميد » « 4 » وأن سورة الكوثر مقابلة لسورة الماعون ، فناسب أن تأتي بعدها ، لأن في السابقة وصفا للمنافق بأمور أربعة : البخل ، وترك الصلاة ، والرياء فيها ، ومنع الزكاة ، فذكر في مقابلة البخل
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
أي الخير الكثير ، وفي مقابلة ترك الصلاة « فصلّ » أي دم عليها ، وفي مقابلة الرياء « لربّك » أي لرضاه لا للناس ، وفي مقابلة منع الماعون « وانحر » وأراد به التصدق بلحم الأضاحي « 5 »
هامش
( 1 ) سورة الفاتحة 6 . ( 2 ) قارن بالبرهان 1 / 38 . ( 3 ) سورة سبأ 54 . ( 4 ) البرهان 1 / 39 . ( 5 ) نفسه 1 / 39 .