تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
بدلا من خصوص السبب ، فالنص القرآني العام الذي نزل بسبب خاص معين يشمل بنفسه أفراد السبب وغير أفراد السبب ، لأن عمومات القرآن لا يعقل أن توجه إلى شخص معين . قال ابن تيمية : « والناس وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب : هل يختص بسببه ؟ لم يقل أحد : إن عمومات الكتاب والسنة تختص بالشخص المعيّن ، وإنما غاية ما يقال : إنها تختص بنوع ذلك الشخص ، فتعم ما يشبهه ، ولا يكون العموم فيها بحسب اللفظ . والآية التي لها سبب معين إن كانت أمرا أو نهيا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممّن كان بمنزلته » « 1 » . هذه مثلا حركة النفاق التي بدأت بدخول الإسلام المدينة قد كان لها أثر واضح في توجيه الأحداث التاريخية ، فإنها اتخذت مظاهر مختلفة وأشكالا متعددة منذ الهجرة النبوية حتى لحق عليه السلام بالرفيق الأعلى ، فكان لزاما أن يثير القرآن في كثير من سوره وآياته حملة عنيفة على هذه الحركة وعلى دسائس المنافقين وأراجيفهم ، حتى نزلت فيهم سورة تحمل اسمهم الخاص ، فدل اسمها على مسماها ، وعنوانها على محتواها . وجاء في تلك السورة آيات رسمت للمنافقين أخزى صورة ، رمتهم بالبلادة والجمود ، ونصبتهم تماثيل صامتة وخشبا مسندة بجوانب الجدران لا تبدى حراكا ، وجعلتهم أشدّ توجسا وجبنا وفزعا من الفئران كلما هجس صوت ، أو علت صيحة ، أو تحرك شيء ، رغم ظاهرهم الخداع وأجسامهم الطوال العراض التي تسر الناظرين . وإليك الأصباغ الحية ، والملامح الشاخصة ، في آية واحدة من تلك الآيات المعجزة الفريدة :
« وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ ، وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ، كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ، يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ! هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ ! أَنَّى يُؤْفَكُونَ ؟ »
« 2 » ، فهل يعقل أن يخص القرآن
هامش
( 1 ) الاتقان 1 / 51 . ( 2 ) سورة المنافقون 4 . وراجع تفسير ابن كثير 4 / 368 وعبارته في تصوير أولئك المنافقين : « وكانوا أشكالا حسنة وذوي فصاحة وألسنة ، وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم . قال تعالىيَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْأي كلما وقع أمر أو كائنة أو خوف يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم » .