تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث في علوم القرآن — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
ونرجّع أصداءها متلاقية مع بيئة العربي المخاطب بهذا القرآن ، فنقول كما قال : « جمع بينها على مجرى الإلف والعادة بالنسبة إلى أهل الوبر : فإن كل انتفاعهم في معايشهم من الإبل فتكون عنايتهم مصروفة إليها ، ولا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب ، وذلك بنزول المطر ، وهو سبب تقلب وجوههم في السماء ، ثم لا بد لهم من مأوى يؤويهم ، وحصن يتحصنون به ، ولا شيء في ذلك كالجبال ! ثم لا غنى لهم - لتعذر طول مكثهم في منزل - عن التنقل من أرض إلى سواها . فإذا نظر البدوي في خياله وجد صورة هذه الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور » ؟ ! « 1 » أم نقرأ قوله تعالى :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ »
« 2 » وقد اكتنفه من جانبيه قوله :
« بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ »
« 3 » وقوله :
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ . وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ
« 4 » ، ثم لا نلمح بينها جميعا أي ارتباط ؟ أليس في تسمية الدنيا بالعاجلة هنا إيحاء مقصود بقصر الحياة يتناسق مع استعجال النبي تلقي الوحي وتلقفه إياه بتحريك لسانه ، كأن اللّه يقول له : تدبر ما يوحى إليك ، ولا يأخذنك فيه ما يأخذ البشر من العجلة في حياتهم القصيرة العابرة « 5 » ؟ صحيح إذن ما ذكره الزمخشري في وجه المناسبة بين قوله تعالى :
هامش
( 1 ) البرهان 1 / 45 . ( 2 ) سورة القيامة 16 . ( 3 ) سورة القيامة 14 - 15 . ( 4 ) سورة القيامة 20 - 21 . ( 5 ) من حق الزمخشري علينا أن نرد إلى ذوقه الأدبي الرفيع هذا الفهم السديد ، فقد قال في تفسير هذه الآيات في كشافه 4 / 165 : « كلا » ردع لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن عادة العجلة . وإنكار لها عليه ، وحث على الأناة والتؤدة . وقد بالغ في ذلك باتباعه قولهبَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَكأنه قال : بل أنتم يا بني آدم - لأنكم خلقتم من عجل ، وطبعتم عليه - تعجلون في كل شيء ، ومن ثم تحبون العاجلة « وتذرون الآخرة » .