وواضح أن القرآن قدر مكان البيان في العرب ، ودرايتهم بفنون القول ، بحيث يستطيعون أن يحكموا في إعجازه .
* * * * والإعجاز البلاغي هو الذي « ذهب إليه الأكثرون من علماء أهل النظر » « 1 » وسيطر على مباحث المتكلمين في الإعجاز ، سواء منهم من جعلوه الوجه الذي يصح به التحدي بالسورة الواحدة من القرآن ، ويفسر موقف العرب ، عصر المبعث ، من المعجزة ، والذين ذكروا مع إعجازه البلاغي غيره من وجوه الإعجاز الأخرى التي لا مشاحة فيها ، وإنما الخلاف في أن تنفصل عن إعجاز نظمه وبلاغته .
والواقع أن المصنفات الأولى في الإعجاز ، على اختلاف مذاهب أصحابها ، جاءت أشبه بمباحث بلاغية مما قدروا أن إعجاز القرآن يعرف بها ، وإن استوعبت أقوال المتكلمين في وجوه الإعجاز ، فرسائل الخطابي السنى ، والرماني المعتزلي ، والباقلاني الأشعري ، تأخذ مكانها في المكتبة البلاغية .
وبعد أن استقلت البلاغة بالتأليف والتصنيف ، وجّهت إلى خدمة الإعجاز البلاغي :
« الجرجاني » يضع كتابه في النظم والبلاغة ويقدمه باسم ( دلائل الإعجاز ) .
و « أبو هلال العسكري » يضع علم الفصاحة والبلاغة تاليا لعلم التوحيد ، ويقدم ( كتاب الصناعتين ) بقوله : « اعلم علمك اللّه الخير أن أحق العلوم بالتعلم وأولاها بالحفظ ، بعد المعرفة باللّه جل ثناؤه ، علم البلاغة والفصاحة ، الذي يعرف به إعجاز كتاب اللّه » .
و « الزمخشري » البلاغي ، وهو من المعتزلة ، يقرر أنه « لا بد من علم البيان والمعاني لإدراك معجزة رسول اللّه ومعرفة لطائف حجته » « 2 » .
هامش
( 1 ) الخطابي : 2 ، 24 من ( ثلاث رسائل في الإعجاز ) .
( 2 ) الكشاف : 1 / 3 .