تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
« فإن قال : جوّزوا ، وإن كانت المعارضة ممكنة ، أنهم ظنوا أنه تحداهم بما تضمنه من الإخبار عن الغيوب . ولولا ظنهم ذلك لما طلب بعضهم إلى بعض أخبار الفرس . قيل له : إن هذا الوجه مما يدل على النبوة - على ما سنذكره - لكنه صلى اللّه عليه وسلم تحدى بالقرآن لمرتبته في قدر الفصاحة ، لا لما ذكرته ، للوجوه التي بيّناها من قبل . ولا يجوز في العرب أن تنصرف في هذا الباب عن الطريقة المعتادة لهم في التحدي ، إلى طريقة غير معتادة . لأنهم قد عرفوا أن المنازعة والمباراة في سائر الكلام كيف تقع ، وأنه لا معتبر فيه بالمعاني - وحدها - وإنما يعتبر قدره في الفصاحة : إما على كل وجه ، أو في نظم مخصوص ، على ما تقدم ذكره . وذلك يسقط هذا السؤال » « 1 » . أضيف إليه : أن كثيرا من الصحابة آمنوا بالمعجزة ، بمجرد سماع آيات منها . وأن كل السابقين الأولين سبقوا إلى الإسلام إثر نزول السور الأول من الوحي ، دون أن ينتظروا حتى تتحقق أحداث أنبأ بها ليدركوا وجه إعجازه . وهذا الملحظ نفسه ، وارد على من ذهبوا إلى أن القرآن كان معجزا ، بما جاء به من أخبار الماضي الغابر « ووجهه أنه كان معلوما من حال النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان أميّا ، ولم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأنبائهم وسيرهم . ثم أتى القرآن بجمل ما وقع وحدث من عظيمات الأمور ومهمات السير ، من حين خلق اللّه آدم عليه السلام إلى حين مبعث محمد صلى اللّه عليه وسلم » . والذين ذكروا هذا الوجه في الإعجاز ، لم يستطيعوا أن يفصلوه عن البيان القرآني . وقد علموا أن التوراة والإنجيل فيهما الكثير من أخبار الأمم الخالية وقصص الأنبياء منذ خلق اللّه سبحانه آدم . ولعلها في التوراة والإنجيل أكثر تفصيلا . ولم يقل أحد إن الكتب السماوية كانت معجزات رسلها وآيات نبوتهم ، ولا علمنا أن عيسى وموسى عليهما السلام ، تحديا قومهما أن يأتوا بسفر أو إصحاح من مثل التوراة والإنجيل .
هامش
( 1 ) المغنى : 16 / 281 .