تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
ذلك شعرا . . . وسمعت غلاما لصديق لي ، وكان قد سقى بطنه ، وهو يقول لغلمان مولاه : اذهبوا إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى . « وهذا الكلام يخرج وزنه على خروج : فاعلاتن مفاعلن ، مرتين . وقد علمت أن هذا الغلام لم يخطر على باله قط أن يقول بيت شعر أبدا . ومثل هذا كثير ، ولو تتبعته في كلام حاشيتك وغلمانك لوجدته » « 1 » . والجاحظ لا يسوق هذا الكلام ، ردّا على وصف قريش للقرآن بالشعر ، وإنما يرد على من التقطوا بعض آيات قرآنية زعموا أنها في وزن الشعر . لكن يوهنه عندي ، هذا التنظير بكلام العامة والسوقة ، من الحاشية ، والغلمان وباعة الباذنجان . فما هانت القضية إلى المدى الذي يساق فيه مثل هذا ، في الاحتجاج لنفى الشعر عن البيان الأعلى . ما زلت أقول : إن مثل هذا في كلام الباقلاني عن الوجوه التي يحتملها « ما حكاه القرآن عن الكفار من قولهم إنه شاعر ، وإن هذا شعر » لا موضع له . من حيث أرى أن الكفار من قريش ، ما قصدوا إلى أن فيه بعض فقرات موزونة وزن الشعر ، ولا خطر لهم على بال أن يتعلقوا بآيات فيه على وزن بيت أو بيتين من قصيد أو رجز ، ولا بلغ بهم عقم الطبع وفساد السليقة ، أن ينظّروا له بمثل ما يجرى على ألسنة العامة في مبتذل الكلام . وإنما هو سحر البيان ، عرفه للقرآن مشركو قريش من قبل أن يسمع غيرهم من سائر العرب كلمات منه ، وكان « الوليد بن المغيرة » يتحدث عن سليقة أصيلة مرهفة حين لفت قومه إلى أنهم ما إن يقولوا إن القرآن شعر حتى ينكر العرب عليهم ذلك ، وإنما غاية ما يبلغون من وصفه أن يقولوا ما نصح لهم به : إن محمدا جاء بكلام هو السحر يفرق بين الرجل وأخيه وزوجته وولده .
هامش
( 1 ) الجاحظ : البيان والتبيين 1 / 235 ط أولى ، الرحمانية سنة 1932 م وقد التفت الزميل السيد أحمد صقر على هامش الاعجاز للباقلاني ( ص 81 ) إلى هذا التشابه بين الجاحظ والباقلاني .