تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
وقد نقلنا آنفا من كلام الباقلاني فيمن سبقوه ، ما ندرك معه كيف رأى أن موضوع إعجاز القرآن « قل أنصاره واشتغل عنه أعوانه وأسلمه أهله ، فصار عرضة لمن شاء أن يتعرض فيه ، حتى عاد مثل الأمر الأول على ما خاضوا فيه عند ظهور أمره ، فمن قائل قال إنه سحر وقائل يقول إنه شعر ، وآخر يقول إنه أساطير الأولين ، وقالوا : ( لو نشاء لقلنا مثل هذا ) . إلى الوجوه التي حكى اللّه عز وجل عنهم أنهم قالوا فيه وتكلموا به ، فصرفوه إليه » - 5 « 1 » وتجرد الباقلاني لتفصيل القول في مسألة الإعجاز وفاء بما قصر عنه سلفه ، ليجيء في نظم القرآن ، بما يكون مستفادا من كتابه خاصة ، وموجّها ما وصل إليه جهده ، إلى الخاصة « من أهل صناعة العربية الذين وقفوا على جمل من محاسن الكلام ومتصرفاته ومذاهبه ، وعرفوا جملة من طرق المتكلمين ونظروا في شئ من أصول الدين » 9 * * * وظن الباقلاني أنه أغلق الباب وقال فيه الكلمة الأخيرة ، فجاء « عبد القاهر الجرجاني » في القرن الخامس ، وعرض السؤال في قضية الإعجاز كأن لم يعرض من قبل ، وبدأ القول فيها كمن يرى الميدان خاليا ليس فيه دليل ، بحيث احتاج إلى وضع كتابه ( دلائل الإعجاز ) « 2 » مقدمة لفهمه بإدراك أسرار العربية ، فاستفرغ طاقته في عرض أساليبها ونحوها وملاحظها البلاغية ، من حيث هي الهادية إلى دلائل الإعجاز . ولم يبدأ في كتابه حتى نظر في كتب السلف فلم ير إلا شرّا وتخليطا وأنكر تصدى كثير منهم لتفسير القرآن وتأويله وقد أعوزتهم آلة فهمه وإدراك إعجازه ، وقال فيما قال : « ولو أن هؤلاء القوم إذ تركوا هذا الشأن تركوه جملة فلم يأخذوا أنفسهم
هامش
( 1 ) الأرقام المذيلة بها النقول ، تشير إلى الصفحات المنقول منها . ( 2 ) نشرته مجلة المنار ، وصحح أصله الشيخ محمد عبده والشيخ الشنقيطي ، وعلق حواشيه السيد محمد رشيد رضا .