كي تبقى حرفا أصليّا غير زائد ؟ وتظل على أصيل معناها في الإلصاق « 1 » ، وتعمل عملها المباشر في الخبر ملصقة به غير مقول بزيادتها ، ومنهما معا يستفاد خبر المنفى بما وليس ؟
غير أنى لا أشك في أننا لو رجعنا النظر في سائر المواضع الأخرى التي قال النحاة فيها إن الباء تأتى فيها زائدة ، لهدى الاستقراء إلى ملاحظ بيانية ذات بال .
* * * ولعلنا كذلك نعيد النظر في حروف أخر قالوا بزيادتها ، لنلتمس سرها في البيان القرآني ، كحرف « من » في آية الحجرات :
إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
4 ، 5 .
تصرّف به الظرف « وراء » من جموده مبنيا بمعنى خلف ، إذ ليس الحكم في الآية مقيدا بالنداء خلف الحجرات ، بل من أي جهة من وراء حجراته صلى اللّه عليه وسلم ، نادوه منها « 2 » .
ومن النظائر قوله تعالى :
لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ
. الحشر 14 .
وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
. المؤمنون 100 .
وسيأتي في الحديث عن « الظواهر الأسلوبية وسر التعبير » مثل آخر من قولهم بزيادة « لا » النافية قبل فعل القسم ، في مثل قوله تعالى :
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
.
* * *
هامش
( 1 ) اقتصر « سيبويه » على معنى الإلصاق في الباء . وجاء ابن هشام بالإلصاق معنى أول من معاني الباء - التي أحصاها فكانت عنده أربعة عشر ، آخرها التأكيد بالباء الزائدة - وذكر فيه : « وقيل هو معنى لا يفارقها » مغنى اللبيب : 1 / 91 .
( 2 ) بمزيد بيان ، في ( تفسير سورة الحجرات ) . ط كلية الشريعة بفاس ( 1403 ه - 1983 م ) .