تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
والدلائل إلى الأدلة ، والوسيلة إلى الغرض ، هو الذي جعله يختم مباحثه البلاغة في ( دلائل الإعجاز ) بفصل يحيل فيه إدراك البلاغة على مبهمات ومجردات مما سماه الذوق والإحساس الروحاني ، والأمور الغامضة الخفية . والناس عنده مرضى حتى يلتمسوا الطب لديه . وقد يجدى أن أنقل هنا هذا الفصل الختامى من ( دلائل الإعجاز ) يلخص مذهب الجرجاني ويوضح طريقته في التناول وأسلوبه في الجدل والاحتجاج : « اعلم أنك لن ترى عجبا أعجب من الذي عليه الناس في أمر النظم . وذلك أنه ما من أحد له أدنى معرفة إلا وهو يعلم أن هاهنا نظما أحسن من نظم ، ثم تراهم إذا أنت أردت أن تبصرهم بذلك تسدر أعينهم وتضل عنهم أفهامهم . وسبب ذلك أنهم أوّل شئ عدموا العلم به نفسه من حيث حسبوه شيئا غير توخى معاني النحو ، وجعلوه يكون في الألفاظ دون المعاني . فأنت تلقى الجهد حتى تميلهم عن رأيهم ، لأنك تعالج مرضا مزمنا وداء متمكنا . « ثم إذا أنت قدتهم بالخزائم إلى الاعتراف بأن لا معنى له غير توخى معاني النحو ، عرض لهم من بعد خاطر يدهشهم حتى يكادوا يعودون إلى رأس أمرهم . وذلك أنهم يروننا ندعى المزية والحسن لنظم كلام من غير أن يكون فيه من معاني النحو شئ يتصور أن يتفاضل الناس في العلم به ، ويروننا لا نستطيع أن نضع اليد من معاني النحو ووجوهه على شئ يزعم أن من شأن هذا ، أن يوجب المزية لكل كلام يكون فيه . بل يروننا ندعى المزية لكل ما ندعيها له من معاني النحو ووجوهه وفروقه ، في موضع دون موضع وفي كلام دون كلام وفي الأقل دون الأكثر وفي الواحد دون الألف . فإذا رأوا الأمر كذلك دخلتهم الشبهة وقالوا : كيف يصير المعروف مجهولا ، ومن أين يتصور أن يكون للشيء في كلام مزية عليه في كلام آخر ، بعد أن تكون حقيقته فيهما حقيقة واحدة ؟ فإذا رأوا التنكير يكون فيما لا يحصى من المواضع اتهمونا في دعوانا ما ادعيناه لتنكير حياة في قوله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
من أن له حسنا ومزية ، وأن فيه بلاغة عجيبة ، وظنوه وهما منا وتخيلا . « ولسنا نستطيع في كشف الشبهة في هذا عنهم ، ما استطعناه في نفس النظم -