تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
العبرة في الفصاحة والبلاغة ليست إلا بالنظم ، دون الألفاظ التي هي مجرد خدم للمعاني . ومن حيث رأى أن الإعجاز في نظم القرآن يفهم بإدراك أسرار الفصاحة ، فرغ في كتابه لمباحث بلاغية خالصة يجلو بها وجه الفصاحة . وفيما بين مبحث وآخر يقدم لمحات من البيان القرآني في سياق الاستشهاد أو التنظير . والكتاب على هذا الوضع ، من المصنفات البلاغية القيمة ، ولعله من خير ما كتب في قضية النظم ، لكن اتصاله بالإعجاز غير مباشر ، إذ ينظر في أساليب البلاغة العربية ، وفي تقديره أنها الوسيلة إلى فهم الكتاب العربي المبين . قال يشرح وجه الإعجاز بالنظم : « إنا إذا سقنا دليل الإعجاز فقلنا : لولا أنهم حين سعوا كلاما لم يسمعوا قط مثله ، وأنهم قد رازوا أنفسهم فأحسوا بالعجز عن أن يأتوا بما يوازيه أو يدانيه أو يقع قريبا منه ، لكان محالا أن يدعوا معارضته وقد تحدوا إليه وقرعوا فيه وطولبوا به . . . « فخبرونا عنهم ، عما ذا عجزوا ؟ أعن معان من دقة معانيه وحسنها وصحتها في العقول ، أم عن ألفاظ مثل ألفاظه ؟ فإن قلتم عن الألفاظ ، فما ذا أعجزهم من اللفظ أم ما بهرهم منه ؟ فقلنا : أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه وخصائص صادفوها في سياق لفظه ، وبدائع راعتهم من مبادئ آية ومقاطعها ، ومجارى ألفاظه ومواقعها ، وفي مضرب كل مثل ، ومساق كل خبر ، وصورة كل عظة ، وتنبيه وإعلام وتذكير وترغيب وترهيب ، مع كل حجة برهان وصفة وتبيان ، وبهرهم أنهم تأملوه سورة سورة وعشرا عشرا وآية آية ، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ، ولفظة ينكر شأنها أو يرى غيرها أصلح هناك أو أشبه أو أحرى وأخلق ، بل وجدوا اتساقا بهر العقول وأعجز الجمهور ، ونظاما والتئاما وإتقانا وإحكاما ، لم يدع في نفس بليغ منهم ولو حكّ بيافوخه السماء ، موضع طمع . حتى خرست الألسن عن أن تدعى وتقول ، وخلدت القروم فلم تملك أن تصول . . » - 32 « 1 » ثم لم يمض الجرجاني في الاحتجاج لهذا الوجه من الإعجاز تدبرا لأسرار النظم القرآني المعجز ، بل قدر أن الدراية بذلك « لا تتأتى عن طريق حفظ متن الدليل
هامش
( 1 ) الأرقام في هذا الفصل ، تشير إلى مواضع صفحاتها من ( كتاب دلائل الإعجاز ) طبعة المنار بالقاهرة .