تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
يعنى حملهم على الإقرار بأن البلاغة ليست إلا النظم - لأنا ملكنا في ذلك أن نضطرهم إلى أن يعلموا صحة ما نقول . وليس الأمر في هذا كذلك ، فليس الداء فيه بالهين ، ولا هو بحيث إذا رمت العلاج منه وجدت فيه الإمكان مع كل أحد مسعفا والسعي منجحا . لأن المزايا التي تحتاج أن تعلمهم مكانها وتصور لهم شأنها ، أمور خفية ومعان روحانية ، أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها وتحدث له علما بها ، حتى يكون مهيّئا لإدراكها وتكون له طبيعة قابلة لها ، ويكون له ذوق وقريحة يجد لهما في نفسه إحساسا بأن من شأن هذه الوجوه والفروق أن تعرض فيها المزية على الجملة ، ومن إذا تصفح الكلام وتدبر الشعر ، فرّق بين موقع شئ منها وشئ ، ومن إذا أنشدته قول الشاعر :
لي منك ما للناس كلهم * نظر وتسليم على الطرق
وقول البحتري :
وسأستقل لك الدموع صبابة * ولو آن دجلة لي عليك دموع
وقوله :
رأت مكنات الشيب فابتسمت لها * وقالت : نجوم لو طلعن بأسعد
وقول أبى نواس :
ركب تساقوا على الأكوار بينهم * كأس الكرى فانتشى المسقى والساقي كأن أعناقهم والنوم واضعها * على المناكب لم تعمد بأعناق
وقوله :
يا صاحبىّ عصيت مصطبحا * وغدوت للذّات مطّرحا فتزودا منى محادثة * حذر العصا لم يبق لي مرحا
وقول إسماعيل بن يسار :
حتى إذا الصبح بدا ضوؤه * وغابت الجوزاء والمرزم خرجت والوطء خفى كما * ينساب من مكمنه الأرقم
« إذا أنشدته هذه الأبيات - ولاحظ أن الجرجاني على منهجه في الدلائل في الاستكثار من الشواهد الشعرية ، لا القرآنية - أنق لها وأخذته الأريحية عندها ،