تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإعجاز البياني للقرآن — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
الهوى والميل أن توجبوا لأحد النظمين المتساويين فضلا على الآخر ، من غير أن يكون ذلك الفضل معقولا . « فتبقى في أيديهم حسيرا لا تملك إلا التعجب ! « فليس الكلام بمغن عنك ولا القول بنافع ولا الحجة مسموعة ، حتى تجد من فيه عون لك على نفسه ، ومن إذا أبى عليك أبى ذلك طبعه فردّه إليك وفتح سمعه لك ، ورفع الحجاب بينك وبينه ، وأخذ به إلى حيث أنت ، وصرف ناظره إلى الجهة التي إليها أومأت ، فاستبدل بالنفار أنسا وأراك من بعد الإباء قبولا . . . « ولم يكن الأمر - في بلاغة النظم والمزايا التي يتفاضل بها - على هذه الجملة ، إلا لأنه ليس في أصناف العلوم الخفية والأمور الغامضة الدقيقة ، أعجب طريقا في الخفاء من هذا . وإنك لتتعب في الشيء نفسك وتكد فيه فكرك وتجهد فيه كل جهدك ، حتى إذا قتلته علما وأحكمته فهما ، كنت بالذي لا يزال يتراءى لك فيه من شبهة ويعرض فيه شك ، كما قال أبو نواس :
ألا لا أرى مثل امترائى في رسم * تغص به عيني ويلفظه وهمى أتت صور الأشياء بيني وبينه * فظنى كلا ظنّ ، وعلمي كلا علم !
« وإنك لتنظر في البيت دهرا طويلا وتفسره ، ولا ترى أن فيه شيئا لم تعلمه ، ثم يبدو لك فيه أمر خفى لم تكن قد علمته . . . » 393 : 403 . * * * ومضى « الجرجاني » بعد أن أتم توجيه البلاغة لتكون علم الاستدلال للإعجاز ، ونقل القضية نقلة حاسمة إلى ميدان الدرس البلاغي بمعزل عن القرآن نفسه ! فرسم معالم الطريق لمن جاءوا بعده ، فأفردوا البلاغة بالدرس والتأليف المستقل ، يرون أنهم بهذا يخدمون المعجزة القرآنية ويهدون إلى فهم إعجازها . * * *