وبعد هذا . . لا نجد أحداً يشكّ بسياسة العنف التي مارسها عثمان ضدّ عظماء الصحابة وفضلائهم دفاعاً عن آرائه ، فإذ ثبت ذلك . . نتساءل :
لماذا لا نرى أيَّ بادرة عنف من الخليفة تجاه مخالفيه في مسألة الوضوء ، على الرغم من ادّعائه أنَّ وضوءه هو وضوء رسول اللَّه ( ص ) ؟ !
فلو صحّ . . للزم أن يكون وضوء المسلمين هو وضوء الخليفة ، وبذلك لاندحر « الناس » بوضوئهم ، ولكفى المسلمون الخليفة مؤنة الصراع معهم ، ولما تكلّف ما تكلّف .
ويزيد الاستنتاج وضوحاً ما نقل عن الخليفة من مراقبته لجزئيّات الوضع - فضلًا عن كلّيّاته - ومعاقبة الظالمين والمنحرفين « 1 » .
وذات مرّة . . استخفّ رجل بالعبّاس بن عبد المطّلب ، فضربه عثمان ، فاستحسن منه ذلك ؛ فقال : أَيُفَخِّمُ رسول اللَّه ( ص ) عمَّه وأُرَخِّصُ في الاستخفاف به ! لقد خالف رسول اللَّه ( ص ) مَن فعل ذلك ورضي به « 2 » .
فكيف بنا نوفّق بين غيرة الخليفة على الدين ، وشدّة محافظته على احترام عمّ النبيّ ( ص ) - لأنّه رأى النبيّ ( ص ) يعظّمه ويفخّمه - التي جعلته يحكم بأنَّ الفاعل للاستخفاف ، والراضي به ، مخالفٌ للرسول ( ص ) . . وبين ما نراه يفعل بالوضوء ؟ !
فكيف بِمَن خالف أمراً دأب عليه رسول اللَّه ( ص ) ثلاثاً وعشرين سنة من عمره الشريف ، وأكّد عليه مراراً وتكراراً ، وبلّغ عن ربّه أنَّه نصف الإيمان ، وأنَّ الصلاة موقوفة عليه ؟ مع ضخامة المخالفة ، فالخليفة الثالث لم يتّخذ أيّ إجراء حاسم ضدّ مَن توضّأ بخلاف ما هو عليه ، على الرغم من أنَّ هذه
هامش
( 1 ) كما فعل مع الذين اطاروا الحمام والجلاهقات ، انظر تاريخ الطبريّ 4 : 398 ، الكامل في التاريخ 3 : 181 ، البداية والنهاية 7 : 224 ، المنتظم 4 : 338 .
( 2 ) تاريخ الطبريّ 4 : 400 ، الكامل في التاريخ 3 : 182 .