تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وضوء النبي ( ص ) من خلال ملابسات التشريع — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
عيسى بن زيد ، فإنّه يقبح بمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه ، فدافعني عن ذلك مدّة ، وقال : إنّ هذا أمر يثقل عليه ، وأخشى أن ينتقل عن منزله كراهية للقائك إيّاه فتزعجه . فلم أزل به أُداريه وألطف به حتّى طابت نفسه لي بذلك ، فجهّزني إلى الكوفة وقال لي : إذا صرت إليها فاسأل عن دور بني حي ، فإن أُدللت عليها فاقصدها في السكّة الفلانيّة ، وسترى في وسط السكّة داراً لها باب صفته كذا وكذا ، فاعرفه واجلس بعيداً منها في أوّل السكّة ، فإنّه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه قد أثّر السجود في جبهته ، عليه جبّة صوف ، يستقي الماء على جمل [ وقد انصرف يسوق الجمل ] لا يضع قدماً ولا يرفعها إلّا ذكر اللَّه عزًّ وجلًّ ودموعه تنحدر ، فقم وسلّم عليه وعانقه ، فإنّه سيذعر منك كما يذعر الوحش ، فعرّفه نفسك وانتسب له ، فإنّه يسكن إليك ويحدّثك طويلًا ، ويسألك عنّا جميعاً ويخبرك بشأنه ولا يضجر بجلوسك معه ، ولا تطل عليه وودّعه ، فإنّه سوف يستعفيك من العودة إليه ، فافعل ما يأمرك به من ذلك . فإنّك إن عُدت إليه توارى عنك ، واستوحش منك وانتقل عن موضعه ، وعليه في ذلك مشقّة ! ! فقلت : أفعل كما أمرتني ، ثمّ جهّزني إلى الكوفة وودّعته وخرجت ، فلمّا وردت الكوفة قصدت سكّة بني حَيّ بعد العصر ، فجلست خارجها بعد أن تعرّفت الباب الذي نعته لي ، فلمّا غربت الشمس إذا أنا به قد أقبل يسوق الجمل ، وهو كما وصف لي أبي : لا يرفع قدماً ولا يضعها إلّا حرّك شفتيه بذكر اللَّه ، ودموعه تَرَقرق في عينيه وتذرف أحياناً ، فقمت فعانقته ، فذعر منّي كما يذعر الوحش من الإنس . فقلت : يا عمّ ، أنا يحيى بن الحسين بن زيد ابن أخيك ، فضمّني إليه وبكى حتّى قلت قد جاءت نفسه ! ثمّ أناخ جَمَلَه وجلس معي فجعل يسألني عن أهله رجلًا رجلًا ، وامرأة امرأة ، وصبيّاً صبيّاً ، وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي ، ثمّ قال :