قال الرشيد لشريك القاضي : ما تقول في عليّ بن أبي طالب ؟
قال : ما قال فيه جدّك العبّاس وعبد اللَّه .
قال : وما قالا فيه ؟
قال : فأمّا العبّاس فمات وعليّ عنده أفضل الصحابة ، وكان يرى كبراء المهاجرين يسألونه عمّا ينزل من النوازل ، وما احتاج هو ( ع ) إلى أحد حتّى لحق باللَّه . وأمّا عبد اللَّه فانّه كان يضرب بين يديه بسيفين ، وكان في حروبه رأساً منيعاً وقائداً مطاعاً . فلو كانت إمامته على جور ، كان أوّل من يقعد عنها أبوك لعلمه بدين اللَّه وفقهه في أحكام اللَّه ، فسكت المهدي ، ولم يمض بعد هذا المجلس إلّا قليلًا حتّى عزل شريك « 1 » .
لكنّا ، ماذا نقول عن الأبناء وموقفهم من عليّ وأبنائه ، فحبّ السلطان وزخارف الدنيا قد أعمى بصائرهم ، فنراهم يقدّمون الدين فداءً للدنيا ، والشريعة قرباناً للسلطان ، وصاروا يدّعون ما ليس لهم ، فنرى الأحكام الإلهيّة في عهدهم تأخذ طابعاً سياسيّاً ويستخدمون الدين ضد الدين كما عهدناه سابقاً في الحكم الأمويّ ، فتتأصّل فيه آراء فقهيّة وترى وضع الأحاديث ينسابُ ويتتالى تقرّباً إلى السلطان ، وأنّ القارئ سيقف على بعضها ، حينما يقتضي السياق بيان ذلك .
وسنبيّن حال الوضوء في هذا العهد وهل تأثّر بالسياسة أم بقي بعيداً عن المجريات الحكوميّة ؟ وذلك بعد تقديمنا عرضاً تاريخيّاً للعهد العبّاسيّ الأوّل ، ودور الحكّام في حدوث المذاهب الفقهيّة ودعمهم لها ، وما أصاب العلويين من الظلم ، وأنَّه كان أضعاف ما أصابهم في عهد الأمويين ، حتّى قال الشاعر :
فليت ظلم بني مروان دام لنا * وليت عدل بني العبّاس في النارِ
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 9 : 292 .