وما كان من المعقول أن يجمع الإمام زيد وهو في سنّ الرابعة عشرة كلّ علم أهل البيت ، فلابدّ أن يكمل أشطره من أخيه ، الذي تلقى علم أبيه كاملًا . وقد كان الباقر إماماً في الفضل والعلم ، أخذ عنه كثيرون من العلماء ، ورووا عنه ، ومن هؤلاء أبو حنيفة شيخ فقهاء العراق . وقد نال الباقر فضل الإمامة العلميّة حتّى إنّه كان يحاسب العلماء على أقوالهم وما فيها من خطأ وصواب . . . « 1 » )
والآن نتساءل :
كيف جاء هذا النقل عن الإمام زيد إذن ؟ وهل حقّاً أنَّه حدّث أصحابه عن أبيه عن جدّه بذلك ؟ أم إنَّ الأخبار تظافرت عنه دون معرفة ملابسات الحكم الشرعيّ ؟ ! وإنَّا بطرحنا العاملين الثاني والثالث - من أسباب اختلاف الطالبيين - سنوضح إن شاء اللَّه جواب هذا السؤال وغيره .
وأمّا العامل الثاني « 2 » :
فهو محاولة الحكّام إشاعة حالة الفرقة والخلاف بين الطالبيين ، لتضعيفهم ثمّ احتوائهم فكريّاً وسياسيّاً .
فقد مرَّ عليك خبر ابن الحسن بن صالح بن حيّ مع يحيى بن عبد اللَّه بن الحسن في ( المسح على الخفّ ) ، وكيف كان يخالف يحيى في أمره ، ويفسد أصحابه عليه ، وقول يحيى بن عبد اللَّه : ( فأذَّن المؤذِّن يوماً ، وتشاغلت بطهوري وأُقيمت الصلاة ، فلم ينتظرني ، وصلّى بأصحابي . . فخرجت ، فلمّا رأيته يصلّي قمت أُصلّي ناحية ، ولم أُصلِّ معه لعلمي انّه يمسح على الخفّين ) .
ففي الجملة الأخيرة إشارة إلى انَّ يحيى بن عبد اللَّه وغيره من أهل البيت كانوا لا يرون مشروعيّة الصلاة خلف الذي يمسح على الخفّين ، وكذا لا يرون الاقتصار على التكبيرة الرابعة في صلاة الميّت . وإذا ظهر منهم ما يخالف مذهبهم فإنّما جاء امتثالًا لأمر الرسول ( ص ) بلزوم الحفاظ على وحدة الصفّ
هامش
( 1 ) تاريخ المذاهب الإسلاميّة : 653 .
( 2 ) قد مرّت الإشارة إلى العامل الأوّل فيما مضى من هذا الكتاب .