عثمان « 1 » .
هذه هي سياسة الحكومة ، معلنة صريحة ، فالذي يجب أن يتبعه القاضي ويفتي به في المنازعات ، هو رأي عثمان لا غير ! !
وقول الحجّاج ( وأنت يا شعبي فيمن خرج علينا وكثر ) إشارة إلى أنَّه خرج عن طاعة السلطان وأخذ يفتي الناس ناقلًا آراء الآخرين بجنب رأي عثمان ، وقد عرفت عنه أنَّه كان لا يحبِّذ الأخذ بالرأي ، بل يؤكِّد على لزوم اتّباع المأثور ، وإن كان يقول بها تحت ظروف خاصّة ، وستقف في الفصل الأول على سياسة الحكّام أكثر ممّا قلناه ، وأنَّهم كانوا لا يحبِّذون نقل حديث رسول اللَّه ، بل يفضِّلون نقل اجتهادات الشيخين لقول عثمان عن السنّة ( إلّا ما عمل في زمن الشيخين ) ولثبات سياسة الحكّام بتقوية مكانة الصحابة وعدّهم عدولًا يجب الأخذ بقولهم ، وأنَّ نقل الحديث المخالف لاجتهادات الصحابة كان ممَّا يغضب السلطان !
وأنَّ كلام يزيد بن مسلم ، لمَّا لقيه عند باب القصر ( للَّه يا شعبيّ لما بين دفتيك من العلم ) ؛ وقول الشعبيّ : ( انَّما هلكتم بأنَّكم تركتم الآثار ، وأخذتم بالمقاييس ) « 2 » إشارة إلى هذه الحقيقة . . فلو كان الشعبيّ قد رأى بين الآثار الموجودة عنده ما يصفه عثمان من وضوء رسول اللَّه ، لما قال : ( نزل جبرئيل بالمسح على القدمين ) ! ولأدّى ما عليه من الفضل لعبد الملك بن مروان ، الذي ثبت في التاريخ أنَّه كان حظيّاً عنده .
إنّ إصرار الشعبيّ على المسح إذن ، دليل على أصالته ، وأنَّه وضوء رسول اللَّه ، وكبار الصحابة . . لا أنَّه وضوء عليّ والرافضة - كما يدّعون - فقط .
بعد هذا كلّه ، كيف يتأتّى للشعبيّ - وقد انخرط في سلك الدولة - أن يتوضّأ
هامش
( 1 ) حلية الأولياء 4 : 325 .
( 2 ) حلية الأولياء 4 : 320 .