تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رؤية الله في ضوء الكتاب والسنة والعقل — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
ولأجل ايقاف القارئ على كلام ذلك المفسّر الكبير الذي هو من السلف الصالح نذكر نصّ كلامه : قوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »
يقال : إنّ الادراك أصله اللحوق ، نحو قولك : أدرك زمان المنصور ، وأدرك أبا حنيفة ، وأدرك الطعام ، أي لحق حال النُّضْج ، وأدرك الزرع والثمرة ، وأدرك الغلامُ إذا لحق حال الرجال ، وإدراك البصر للشيء لحوقه له برؤيته إيّاه ، لأنّه لا خلاف بين أهل اللغة إنْ قال القائل أدركت ببصري شخصاً معناه : رأيته ببصري ، ولا يجوز أن يكون الإدراك الإحاطة ، لأنّ البيت محيط بما فيه وليس مدركاً له ، فقوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
معناه : لا تراه الأبصار ، وهذا بمدح ينفي رؤية الأبصار كقوله تعالى :
« لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ »
وما تمدح اللَّه بنفيه عن نفسه فإنّ إثبات ضدّه ذَمّ ونَقْص فغير جائز إثبات نقيضه بحال ، كما لو بطل استحقاق الصفة بلا تأخذه سِنَة ولا نوم لم يبطل إلّا إلى صفة نقص ، فلمّا تمدح بنفي رؤية البصر عنه لم يجز إثبات ضدّه ونقيضه بحال ، إذ كان فيه إثبات صفة نقص . ولا يجوز أنْ يكون مخصوصاً بقوله تعالى :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ
إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
لأنّ النظر محتمل لمعان ، منه انتظار الثواب كما روي عن جماعة من السلف ، فلمّا كان ذلك محتملًا للتأويل لم يجز الاعتراض عليه بما لا مساغ للتأويل فيه ، والأخبار المرويّة في الرؤية إنّما المراد بها العلم لو صحّت ، وهو علم الضرورة الذي لا تشوبه شبهة ولا تعرض فيه الشكوك ، لأنّ الرؤية بمعنى العلم مشهورة في اللغة « 1 » .
هامش
( 1 ) محمّد بن علي الرازي الجصّاص ، أحكام القرآن 3 : 4 .