إليه وأحبّ مكان إليه ، وأحبّ مكان إلى اللَّه عزّوجلّ منذ أن دحا الأرض - كما ذكرنا - هي بيته الحرام الذي جعله مثابةً للناس وقياماً لهم . . . هذا بالنسبة لمن أطاع إبراهيم عليه السلام وحفيده محمداً صلى الله عليه وآله وامتثل لأمر السماء وسُنة الأنبياء كما لاحظنا سابقاً .
أما حال غير المسلمين فهو مشابه إلى هذا ، فلو رجعنا إلى اليهود مثلًا نجدهم يتقربون إلى اللَّه تعالى في حجهم ، رغم بِدعتهم للمكان والزمان ، والنصارى كذلك ، أما الأغلبية من النصارى فقد جعلوا مريم عليها السلام والسيد المسيح عيسى عليه السلام واسطةً بينهم وبين اللَّه وهو ما ذكرناه ، كما فعلت بعض القبائل العربية في الجاهلية بوضعهم الأصنام والأوثان واسطة بينهم وبين اللَّه . . .
أما غير الديانات السماوية فقد تقربوا في حجهم إلى آلهتهم المختارة . . . وبذلك يكون من أساسيات الحج التقرب إلى المعبود سواء كان معبوداً حقيقياً أم خيالياً أو مصنوعاً .
وهذه النقطة الحساسة من مشتركات الحج عند الجميع مع فارق واسع بينهم وبين المسلمين .
فالحج عند المسلمين يأتي قمة التقرب إلى المعبود ( اللَّه عزّوجل ) ، فهو - التقرب في الحج - تجسيد لأحوال الحاج الباحث عن ربّه المتوجّه إليه أينما حلَّ وارتحل ، يلتمس سبيل الوصول إليه ويتعرض لأنفاس رحمته ، فالحاجّ منذ اللحظات الأولى التي ينوي فيها الحج ويرحل عن الأهل والدنيا وينقطع عن كلّ ما يجذبه إلى الدنيا ، حتى الإحرام من الميقات فالطواف فالوقوف فالرمي ، وفي كلّ حالٍّ ومرتحل له يبحث عن اللَّه ويطلب الزلفى إليه والقرب منه ، فهو ضيفه الذي لبّى دعوة التوحيد كما لبت الأنبياء والرسل في أعماق التاريخ ، وحجت إلى البيت الحرام والكعبة الشريفة .
الحج عبر الحضارات والأمم — صفحة 261
مساهمون: محسن الأسدي
ص٢٦١