مقدس يشعرهم بالراحة النفسية والشفافية الروحانية بعيداً عن المطالب المادية المنهكة للنفس . . .
وقد اتفقت البشرية في كلّ زمان ومكان على أهمية هذه الزيارة الجماعية السنوية للفرد والمجتمع ، وما لها من أثر على الفرد نفسه وعلى مجتمعه . . .
يقول د . حسن ظاظا : « ومن المؤكد أنّ الانسان في العصور السحيقة قبل التاريخ ، كان يرتاد بقاعاً من الأرض يجد لها رهبة ، أو راحة نفسية ، أو شفافية روحانية ، يحلق بها في آفاق أسمى من المطالب المادية التي تحاصره . ثم تبلور هذا الشعور في العصور التاريخية القديمة . . . الخ » « 1 » .
والحج في الواقع حالة تعبّر عمّا يموج في نفس الانسان من الحاجة إلى سمو النفس وترفعها عن الحياة المادية إلى الحياة المعنوية والروحية . . وعن الحياة الفردية إلى الحياة الاجتماعية التي تزيد النفس قوة واطمئناناً وراحة ، ثم خروج الهموم والغموم من داخل الانسان من خلال البوح بها إلى معبوده المتكامل ، وأمور أخرى نفسية واجتماعية ، بالرغم من الصعاب والمشاق التي يواجهها الحاج خلال سفره إلى الحج .
هذه الحالة ، هي صفة انسانية مشتركة . . . وهي صفة أساسية تنبع من الفطرة كما ذكرنا في مقدمة الفصل ؛ لذلك وجدنا الحج في كلّ زمان ومكان في الديانات السماوية الأخرى والأخرى الوضعية يحتاجه صاحب النفس الصادقة ، والقلقة على السواء ، المتدين وغير المتدين ، وبكلمة واحدة : إنّ الحج هو تلبية روحية مزيدة تشبع النفس وتروي الروح ، ومن ذهب إلى الحج ومارس شعائره ، يبقى يعيش في هذه التلبية بكلّ معانيها . . .
هامش
( 1 ) الفيصل ، طقوس الحج عند اليهود ، مقال د . حسن ظاظا ، العدد 210 : 9 .