استجابة للفطرة التي فطر الناس عليها . وقد كان معروفاً في الأديان ومارسه الأنبياء جميعاً ، منذ آدم عليه السلام حتى خاتمهم كما ذكرنا سابقاً ، وفي الوقت نفسه مارسته الأديان الوضعية والجاهلية كما ذكرنا أيضاً لحاجتها النفسية إليه ، ومن هنا جاء الفارق الكبير بين الحج السماوي والوضعي ، فهو في الحالة الوضعية لم يجعله الواضع موافقاً لحاجة الإنسان الفطرية بالشكل المتكامل ؛ لأنّ الواضع قاصر ومحدود .
وكما ذكرنا سابقاً أنّ الديانات السماوية كاليهودية والمسيحية وجدنا حجّها قد تعدد فيه الزمان والمكان ، واختُلقت طقوس خاصة بين المذاهب المتعددة ، كلٌ حسب توجهاته واعتقاداته ، وألزموا أنفسهم بحجٍّ حرفه الأسلاف أو بالأحرى ابتدعه الأسلاف ، أما الدين الإسلامي فقد جعل من هذه الفريضة كمال الدين ووحدة المسلمين ووحدة الزمان والمكان ، وبكلمة أخرى فالحج الإسلامي ، الحج الأكمل والأصفى والمتعالي على الزمان والمكان ، صلح لأبناء الإسلام ، أمام الدعوة الإسلامية الأولى ، وهو اليوم كذلك وسيكون للأجيال المستقبلية القادمة أيضاً كما بدأ أول مرّة . وهذا هو الفارق الأساس بين الحج الإسلامي وغيره .
ويظهر الفارق جلياً عندما تحسُّ النفس أنّ الطقوس التي تمارسها مستمدة من المطلق ومرتبطة بالغيب ، وسيحصل القائم بها على خير الدنيا والآخرة ، أو أنها مجرد سفرة مريحة للنفس مرفهة لها عن همومها وآلامها بمسكن موقت مرتبط بالأرض .
وعلى هذا يمكن القول : إنّ الحج في الإسلام هو رمز نموذجي جاء لتلبية الحاجة النفسية الروحية الملحة داخل الانسان ، والتي تندك فيها الفكرة والمضمون فيصيران كلًا واحداً ، لا يتحملان الفصل والافتراق والتباعد ، فالفصل بينهما يحوّل الشعيرة الإلهية إلى طقس مجرّد ، وعادة فارغة من المضمون والروح ، عادة لا تتجاوز ذاتها ولا تشع بأي إيحاء ، كما نشاهد ذلك عند غير المسلمين في حجهم
الحج عبر الحضارات والأمم — صفحة 254
مساهمون: محسن الأسدي
ص٢٥٤