تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد عند الشيخ ابن تيميه — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
أقوال متعدّدة ، ثمّ في الإعابة على أهل الزيغ والهوى لاتّباعهم ما تشابه منه ابتغاء الفتنة والتأويل ، والذي نستفيد منه النهي عن اتّباع المتشابه ، حيث اعتبرت الآيات ذلك طريقة أهل الزيغ . ولكن من الواضح أنّ المفهوم عرفاً من هذا التعبير بعد تلك القسمة الثنائيّة أنّ المقصودين بذلك هم الذين يختصّون باتّباع المتشابهات ويلتقطونها ويفصلونها عن المُحكمات ابتغاء الفتنة والمشاغبة وتشويش الأذهان من خلال ذلك التشابه . وظاهر كلام الكثير ممّن فسّروا معنى المحكم والمتشابه أنّ تفسيرهم مبنيٌّ على أساس إرادة التشابه المفهومي من التشابه في الآية ، إلّا أنّ هذا الافتراض بعيدٌ في نفسه - كما بيّنا في بحثنا عن معنى المحكم والمتشابه « 1 » - لنكتتين هما : أوّلًا : تصريح القرآن نفسه بأنّ آياته إنّما نزلت بياناً وتبياناً وهدىً ونوراً بلسانٍ عربيٍّ مُبين ، وهذا لا ينسجم مع فرض التشابه المفهومي والإجمال . ثانياً : التعبير بالاتّباع في قوله تعالى :
فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ
فإنّ الاتّباع لا معنى له إذا أُريد المتشابه المفهومي ، إذ ذلك فرع وجود مدلول ظاهر يتعيّن فيه اللّفظ ، ومع التشابه المفهومي لا مدلول ليتّبع ، وهذا بخلاف ما لو أُريد التشابه المصداقي ، بمعنى أنّهم يتّبعون الآيات التي مصاديقها الخارجيّة متشابهة لا تتناسب مع المصداق الواقعي الغيبي الذي ينطبق عليه مفهوم الآية ، فمثلًا كلمة الصراط في
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
أو العرش والكرسيّ في الآيات الأخرى مدلولها اللغوي واضح لا تشابه فيه ، إلّا أنّ مصاديقها الخارجيّة سنخ مصاديق لا تنسجم أن تكون هي المقصودة في هذه الآيات ، فمن في قلبه زيغ يتّبع مثل هذه الآيات ليطبّقها على مصاديقها الخارجيّة المتشابهة .
هامش
( 1 ) انظر : أُصول التفسير والتأويل ، السيّد كمال الحيدري : ج 1 ، بحث المحكم والمتشابه .
التوحيد عند الشيخ ابن تيميه — صفحة 292 | السيد كمال الحيدري