ولتوضيح ذلك وبيان الاشتباه الذي وقع فيه ابن تيميّة نقول : إنّ المفاهيم التي تُطلق على الأشياء هي على ثلاثة أنحاء :
النحو الأوّل : المفاهيم المختصّة بالله تعالى ، ولا يشاركه فيها أحد على الإطلاق ، مثل القديم ، فلا يوجد قديم إلّا الله تعالى ، وباقي الموجودات حادثة ، وواجب الوجود ، الغنيّ ، عالم الغيب ، فلا يمكن لأحدٍ أن يكون عالماً بالغيب إلّا إذا أراد تعالى أن يطلع نبيّاً أو إماماً معصوماً على شيء من الغيب ، وكذلك الحيّ القيّوم ، و . . . .
النحو الثاني : المفاهيم المختصّة بالمخلوقات ، ولا يصحّ أن تُطلق على الله بأيّ نحوٍ من الأنحاء ، حتّى لو أضفنا إليها ألف قيدٍ وقيد ، من قبيل الفقير ، الحادث ، الناقص ، المخلوق ، العاجز . والمفاهيم المختصّة هي التي بطبيعتها لا تملك قابليّة الصدق على واجب الوجود حتّى لو أضيف إليها ألف قيد ، ولذا لو قلنا : ( الله حادث لا كالحوادث ) لا يصحّ . وهكذا هوحال ( جسم لا كالأجسام ) ولو أضفنا إليه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل ؛ لأنّه مفهومٌ مختصّ بالمخلوقات .
النحو الثالث : المفاهيم المشتركة ، وهي التي فيها قابليّة الصدق على الواجب وعلى الحادث ، وعلى الغنيّ والفقير ، والكامل والناقص ، مثل الوجود ، فالله موجود والمخلوقات موجودة ، كالسماء والأرض .
نعم ، حتّى نميّز هذه الصفات نقول : وجود لا كهذه الوجودات ، وسمع لا كهذه الأسماع ، وبصرٌ لا كهذه الأبصار ، وإرادة لا كهذه الإرادات ، وهكذا . . . ، لأنّه من المؤكّد أنّ المفهوم بنفسه قابل للصدق على كلا الوجودين .
وبعد توضيح هذه الأنحاء الثلاثة للمفاهيم نأخذ مفهوم الجسم ،
التوحيد عند الشيخ ابن تيميه — صفحة 165
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٦٥