ومن الشواهد على اعتقاد ابن تيميّة بالقعود والجلوس ، ما ورد في كتابه ( شرح حديث النزول ) الذي يحاول فيه التوفيق بين كونه تعالى قبل النزول كان محيطاً بالسماوات والأرض ، ولكنّه بعد النزول سوف تحيط به السماء والأرض ، ولأجل حلّ هذه الإشكاليّة قال : ( وإذا كان قعود الميّت في قبره ليس هو مثل قعود البدن ، فما جاءت به الآثار عن النبيّ ( ص ) من لفظ « القعود » و « الجلوس » في حقّ الله تعالى ؛ كحديث جعفر بن أبي طالب « 1 » ( ، وحديث عمر بن الخطّاب « 2 » وغيرهما ؛ أولى أن لا يماثل صفات أجسام العباد ) « 3 »
فهو يريد لنا القول بأنّكم إذا تصوّرتم أنّ الميّت له جلوس وقعود لا كجلوسنا وقعودنا ، فاقبلوا أنّ لله قعوداً وجلوساً لا كجلوس المخلوقين .
وهل هذه إلّا محاولة للفرار والتهرّب ، وتلاعب في الألفاظ ، التي مهما حاولوا تزويقها فإنّها لا محالة تدلّ على الجسميّة .
ويظهر أنّ من شرح كتب ابن تيميّة لم يفهم مراده بشكلٍ دقيق ، كما حصل لبعض شرّاح كلام ابن تيميّة في ( شرح العقيدة التدمريّة ) وهو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البرّاك حيث يقول : ( وقد فسَّر السَّلف الاستواء
هامش
( 1 ) حديث جعفر بن أبي طالب أخرجه الدارمي في الردّ على المريسي : ص 73 ، ولفظه : « أنّ جعفر بن أبي طالب جاء إلى أسماء بنت عميس وهم بالحبشة يبكي ، فقالت : ما شأنك ؟ قال : رأيت فتى مترفاً من الحبشة شابّاً جسيماً ، مرَّ على امرأة ، فطرح دقيقاً كان معها فسفتهُ الريح ، فقالت : أكلِك إلى يوم يَجْلِسُ الملك على الكرسي فيأخذ للمظلوم من الظالم » .
( 2 ) حديث عمر بن الخطّاب ، أخرجه عبد الله بن أحمد في كتاب السنّة : ص 79 ، ولفظه : « أنّ عمر بن الخطّاب قال : إذا جلس تبارك وتعالى على الكرسي سُمع له أطيط كأطيط الرّحل الجديد » .
( 3 ) سؤال في حديث النزول وجوابه أو شرح حديث النزول : ص 400 .