وبحسب التسلسل المنطقي للبحث ، فإنّ إثبات الحَدّ لله تعالى يستلزم إثبات الحيّز له ، وهذا بدوره يستلزم إثبات الجهة والناحية له تعالى ، وإثبات الجهة يستلزم إثبات الموضع والمكان له عزّ وجلّ ، وإلّا لو لم يكن له موضع ومكان لكان معدوماً ، كما جاء في تلبيس الجهميّة حيث يقول : ( ولأنّ العوام لا يفرّقون بين قول القائل : طلبته فلم أجده في موضعٍ ما ، وبين قوله طلبته فإذا هو معدوم ) « 1 » .
وأكّد ابن تيميّة أيضاً على هذا المعنى في كتابه ( شرح الرسالة التدمرية ) بقوله : ( ويُقال لمن قال إنّ الله تعالى في جهة : أتريد بذلك أنّ الله فوق العالم ، أم تريد بالجهة شيئاً موجوداً فيكون الله تعالى داخلًا في المخلوقات ؟ فإن أردت الأوّل فحقّ ، وإنْ أردت الثاني فباطل ) « 2 » .
فهنا يصوّر عالم الإمكان وله سطح ، ولا شيء فوقه ، والله تعالى فوق هذا العالم ، وسيأتي معنى القول منه بأنّ عرشه على سطح السماوات والأرض ، والله مستقرّ فوقه .
ومن الذين سلكوا منهج ابن تيميّة في الإصرار على إثبات الجهة لله تعالى الشيخ محمّد بن صالح العثيمين في ( مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ، فتاوى العقيدة ) ، حيث قال في مناقشته واعتراضه على النافين للجهة لله تعالى : ( وأمّا قولهم إنّ الله تعالى عن الجهات الستّ خالٍ ، فهذا القول على عمومه باطل ؛ لأنّه يقتضي إبطال ما أثبته الله تعالى لنفسه ، وأثبته له أعلم خلقه به وأشدّهم تعظيماً له ، وهو رسوله محمّد ( ص ) ، من أنّه سبحانه في السماء التي هي في جهة العلوّ ، بل إنّ ذلك يقتضي وصف الله تعالى بالعدم ، لأنّ الجهات الستّ هي
هامش
( 1 ) بيان تلبيس الجهميّة : ج 3 ص 20 .
( 2 ) شرح الرسالة التدمرية : ص 207 ، وفي بعض النسخ : ص 97 .