تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر — صفحة 945

مساهمون:

ص٩٤٥
وبعد أداء مناسك الحج واجتماع الأحباب به توجه إلى المدينة المنورة ، فوفاه هناك الحمام ، وانتقل إلى رحمة اللّه تعالى ، وتحققت محبته للحضرة النبوية وسكن البقيع المبارك ، رحمه اللّه وأثابه رضاه .

عيسى الكردي « * » ( 1247 - 1331 ه )

الفقيه الشافعي ، شيخ الطريقة النقشبندية ، المشارك في العلوم : أبو شمس الدين عيسى بن طلحة بن عمر بن عاشور بن حسن الكردي ، الدمشقي الشافعي . ولد سنة 1247 ه في بلدة « ترحم » لأب يرجع أصله إلى بلدة « شوز » وهما بلدتان تابعتان للواء « إسعرد » في ولاية ديار بكر في جنوب تركيا ، وكان أبوه ينتسب إلى قبيلة « بوطان » من أشهر عشائر الأكراد ، ويرى أن أصله يعود إلى بلدة « كشكول » من توابع « إسعرد » التي ينتسب أهلها إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأمّه صالحة تدعى عائشة . مات والده وهو صغير ، وخلّفا أربعة أولاد هم : محمود ، وعمر ، وعلي ، وعيسى صاحب الترجمة . وهو أصغرهم . ( * * ) نشأته وشيوخه : ولما قارب العشرة من عمره رحل في طلب العلم إلى جهات « ديار بكر » فقرأ هنالك مدّة ، وبقي كذلك حتى بلغ الحلم سنة 1264 ه ، ثم سافر إلى الحجاز بنيّة الحج سنة 1267 ه ، لكنه لم يرجع لمرض أصابه في المدينة المنورة ، فبقي بها حتى شفي ، ثم سافر لمصر واجتمع بعلمائها كشيخ الأزهر إبراهيم بن محمد الباجوري ( ت 1276 ه ) وطبقته ، ثم قصد الشام فمكث بها حينا في قبّة مولانا خالد النقشبندي في حي ركن الدين المشهور بحي الأكراد بدمشق . ثم رجع إلى بلاده ، فأخذ العلم عن عدّة مشايخ من أشهرهم الشيخ قاسم الهادي الذي أجازه في اثني عشر علما ، وأخذ الطريق عن الشيخ حسن النوراني ( ت 1283 ه ) واختلى عنده ، ولما مات خلفه مدرّسا في مدرسته ببلدة « آق‌تيه » بناء على رغبة الشيخ قاسم . وفي سنة 1284 ه أجازه في الإرشاد الشيخ عبد اللّه البيداري ، لكنه لحق فيما بعد بالشيخ قاسم فأتمّ سلوكه في الطريق عنده ، وعندئذ أجازه في الطريق أيضا . وفي سنة 1288 ه انتقل إلى بلاد « شيري » من نواحي الأكراد مرشدا صوفيا . وبعد انتهاء الحرب العثمانية الروسية سنة 1294 ه رحل بأهله مهاجرا إلى بلاد الشام ، وحجّ في السنة التالية سنة 1295 ه ، وبعدها رجع إلى الشام ، فصحب علماءها آنئذ كالشيخ محمد بن مصطفى الطنطاوي ( ت 1306 ه ) ، والشيخ أحمد مسلّم الكزبري ( ت 1299 ه ) ، والشيخ محمود بن محمد نسيب حمزة الحمزاوي ( ت 1305 ه ) ، والشيخ سليم بن ياسين بن حامد العطّار ( ت 1307 ه ) ، والأمير عبد القادر بن محيي الدين الجزائري ( ت 1300 ه ) ، والشيخ بكري بن حامد العطّار ( ت 1320 ه ) ، والشيخ سليم بن خليل المسوتي ( ت 1324 ه ) ، وغيرهم من أهل هذه الطبقة العالية . سكن في حي الأكراد من صالحية دمشق ، فاشتغل بالعلم إلى جانب الوعظ والإرشاد مدة طويلة ، وانتفع به خلق كثيرون . زار القدس ثم المدينة المنورة سنة 1328 ه . ( * * ) صفاته : كان طويل القامة ، واسع العينين ، كثّ اللحية ، حادّ الذهن ، حاضر الجواب ، قوي الحافظة ، شديد المهابة ، كريم الخلق ، متواضعا ، كثير البكاء ، دائم المراقبة للّه ، رحيما بأهله ومريديه ، زاهدا . منكرا على مخالفي الشرع ، وقّافا عند حدوده ، ملازما للسنن الشريفة في كل أمور حياته ، يأمر أتباعه بها . ذا قدم راسخة في الفقه الشافعي ، يستظهر معظم مسائله ، كثير المطالعة ، متبحّرا في علم التوحيد ، والتصوّف ، كثير الاتّصال باللّه ذاكرا ، يقيم كل يوم جمعة مجلسا لقراءة ختم النقشبندية يجتمع فيه ما يزيد على خمسة آلاف شخص .
هامش
( * ) « الأعلام الشرقية » لزكي مبارك : 2 / 142 ، و « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 1 / 284 .