وحملت أسيرة من كربلاء إلى الكوفة ، وأدخلت على ابن زياد في مجلس الرجال ، وقابلها بما اقتضاه لؤم عنصره وخسّة أصله من الكلام الخشن الموجع ، واظهار الشماتة الممضّة .
وحملت أسيرة من الكوفة إلى ابن آكلة الأكباد بالشام ، ورأس أخيها ورؤوس ولديها وأهل بيتها أمامها على رؤوس الرماح طول الطريق ، حتى دخلوا دمشق على هذه الحالة ، وادخلوا على يزيد في مجلس الرجال وهم مقيّدون بالحبال .
قال المفيد : فرأى هيئة قبيحة وأظهر السخط على ابن زياد ، ثمّ أفرد لهنّ ولعلي بن الحسين دارا وأمر بسكوتهم ، وقال لزين العابدين : كاتبني من المدينة في كلّ حاجة تكون لك . ولمّا عادوا أرسل معهم النعمان بن بشير ، وأمر أن يرفق بهم في الطريق . ولمّا غزا جيشه المدينة أوصى مسرف بن عقبة بعلي بن الحسين عليهما السّلام ، وذلك لما رأى من نقمة الناس عليه ، فأراد أن يتلافى ما فرط منه ، وهيهات كما قال الشريف الرضي :
وودّ أن يتلافى ما جنت يده * وكان ذلك كسرا غير مجبور
وكان لزينب سلام اللّه عليها في وقعة الطف المكان البارز في جميع الحالات ، وفي المواطن كلّها .
فهي التي كانت تمرّض العليل ، وتراقب أحوال أخيها الحسين عليه السّلام ، وتخاطبه وتسأله عند كلّ حادث .
وهي التي كانت تدبّر أمر العيال والأطفال ، وتقوم في ذلك مقام الرجال .
وهي التي دافعت عن زين العابدين عليه السّلام لمّا أراد ابن زياد قتله ، وخاطبته بما ألقمته حجرا ، حتى لجأ إلى ما لا يلجأ إليه ذو نفس كريمة .
وبها لاذت فاطمة بنت الحسين عليه السّلام وأخذت بثيابها ، لمّا قال الشامي ليزيد : هب لي هذه الجارية . فخاطبت يزيد بما فضحه ، حتى لجأ إلى ما لجأ إليه ابن زياد .
والذي يلفت النظر أنّها في ذلك الوقت كانت متزوّجة بعبد اللّه بن جعفر ، فاختارت صحبة أخيها على البقاء عند زوجها ، وزوجها راض بذلك مبتهج به ، وقد أمر ولديه بلزوم خالهما والجهاد بين يديه ، ففعلا حتى قتلا . وحقّ لها ذلك ، فمن كان لها أخ مثل الإمام الحسين عليه السّلام ،