يكاد يوجد النوع خاليا عنه في زمان ، وإن أمكن أن يعرض لهذا الاجتماع المستند إلى اقتضاء الطبيعة ما يخرجه عن مجرى الصحة إلى نقص الخلقة ، أو عن صحته الطبيعية إلى السقم والعاهة .
فالاجتماع بجميع شؤونه وجهاته ، سواء كان اجتماعا فاضلا أو اجتماعا فاسدا ينتهي بالتالي إلى الطبيعة ، وإن اختلف القسمان من حيث إنّ الاجتماع الفاسد يصادف في طريق الانتهاء ما يفسده في آثاره ، بخلاف الاجتماع الفاضل .
فهذه حقيقة ، وقد أشار إليها تصريحا أو تلويحا الباحثون عن هذه المباحث ، وقد سبقهم إلى بيانه الكتاب الإلهي فبيّنه بأبدع البيان ، قال تعالى :
الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
« 1 » .
وقال تعالى :
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى
« 2 » .
وقال تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
« 3 » .
إلى غير ذلك من آيات القدر .
فالأشياء - ومن جملتها الإنسان - إنّما تهتدي في وجودها وحياتها إلى ما خلقت له وجهزت بما يكفيه ويصلح له من الخلقة ، والحياة القيّمة بسعادة الإنسان هي التي تنطبق أعمالها على الخلقة والفطرة انطباقا تاما ، وتنتهي وظائفها وتكاليفها إلى الطبيعة انتهاء صحيحا ، وهذا هو الذي يشير إليه قوله تعالى :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
« 4 » .
والذي تقتضيه الفطرة في أمر الوظائف والحقوق الاجتماعية بين الأفراد - على أنّ
هامش
( 1 ) - طه : 50 .
( 2 ) - الأعلى : 3 .
( 3 ) - الشمس : 8 .
( 4 ) - الروم : 30 .