حيث توفي بعد ذلك بقليل . فأحدث هذا الاضطهاد ركودا في النشاط الفكري وكبح جماح المفكرين وهمتهم . فمال بعضهم إلى التستر والعمل في الخلفاء .
وظل أهل النباهة يخفون ما يعرفونه من الفلسفة ويظهرون ما هو جائز كعلم الحساب والفرائض والطب ( من دون التشريح ) إلى أن انقرضت دولة بني أمية في الأندلس أولا بخراب الزهراء وتدميرها على أيدي البرابرة سنة 1013 ، وما أعقب ذلك من فوضى وتقتيل وموت كثيرين من النبهاء كابن الفرضي ، ثم بسقوط الخلافة الأموية نهائيا سنة 1031 م . ودفعت الفتنة أربابها إلى بيع ما كان في قصور عاصمة الأمويين من النفائس والذخائر والمخطوطات الثمينة فبيع بعضها بأبخس الأثمان وتلف بعضها الآخر « 1 » . إلا أن الكتب التي أفلتت من أيدي المتلفين ووجدت طريقها إلى مدن الأندلس الأخرى كانت مشاعل منيرة تلقّفتها الأيدي في أنحاء شبه الجزيرة واستنارت بها حينا من الزمن . وكان فيها بعض المصنفات في العلوم القديمة أفلتت من أيدي أعداء الحرية الفكرية فساعدت على استمرار الحياة الثقافية المستنيرة ولو إلى حين ، وكانت هذه العلوم آنئذ محببة لنفوس الكثيرين يقرءونها سرا أو علانية فتوقظ عزيمتهم وتحثهم على متابعة البحث والانتاج الفكري رغم الخطر الجاثم وازدياد سيطرة الطبقة الرجعية والبرابرة المتعصبين .
وقد أدى الحرمان وتوالي الضغط والتشديد على مفكري العرب بمرور الزمن إلى خنق الحريات الفكرية رغم ظهور عدد من العلماء حملوا بين حين وآخر مشعل النور عاليا .
وتبع ذلك ركود في الحياة السياسية وتدهور عام في السلطة والحياة
هامش
( 1 ) محمد عبد اللّه عنان ، دولة الإسلام ، ج 3 ، الدورة العامرية ، مطبعة مصر ، 1958 ، ص ص 20 - 25 ، 88 - 90 ، ابن صاعد ، طبقات الأمم ، ص ص 66 - 67 .