وجمع من المؤلفات في بقية أيام أبيه الناصر ثم في مدة ملكه ( 961 - 976 م ) ما كاد يضاهي ما جمعته ملوك بني العباس في مدة قرنين وتهيأ له ذلك لفرط محبته للعلم ولعلو همته ورغبته في اكتساب الفضائل ونشرها وفي إحياء النهضة الفكرية في بلده . فكثر في زمانه إقبال الناس على قراءة كتب الأوائل والاستفادة من مصنفاتهم والاستنارة بها « 1 » .
ولمّا ولي هشام الملك بعد أبيه الحكم المستنصر ، وكان آنذاك حدثا قليل الخبرة بشؤون الحكم ، استأثر بمهامّ الدولة حاجبه أبو عامر الذي أحرق الكثير من الكتب الثمينة في المنطق والفلسفة والعلوم المختلفة ، واضطهد أحرار الفكر ، والفلاسفة المتعلمين المستنيرين ، واتهم كل من يقرأ كتب القدماء والمحدثين الفلسفية بالمروق والإلحاد وجعل مروّجيها عرضة لاضطهاد العوامّ والسفهاء . فعل ذلك تعصبا منه وضيق أفق وكسبا لعطف الفقهاء وعوام الناس وتحببا للبرابرة وتوددا لجهلاء رجال الدين ولم يكتف بذلك بل سجن كثيرين ، منهم أبو عثمان سعيد المعروف بالحمار السّرقسطي الذي هجر الأندلس مستاء بعد خروجه من السجن وذهب إلى جزيرة صقلية
هامش
( 1 ) القاضي صاعد بن أحمد بن صاعد الأندلسي الطليطلي ، طبقات الأمم ، بيروت ، نشر لويس شيخو ، سنة 1912 ، ص ص 64 - 85 ، ومحمد عبد اللّه عنان في كتابه دولة الإسلام في الأندلس ، العصر الأول ، القسم الأول الطبعة الثانية ، القاهرة ، مطبعة مصر ، 1955 ، ص ص 241 - 242 ، 263 - 269 ، يتحدث عن بداية النهوض العلمي وازدهار التجارة والصناعة والثقافة في الأندلس ، وفي القسم الثاني ، طبعة أولى ، 1952 ، ص ص 103 - 109 ، 112 - 116 ، 132 - 134 ، يتحدث عن التقدم والازدهار زمن الناصر خاصة وما تركه لابنه المستنصر . انظر أيضا البيان المغرب في أخبار المغرب لابن عذاري المراكشي ونشر دوزي ، ليدن ، ج 2 ، 1849 ، ص ص 244 - 259 ، والحلة السيراء ، لابن الأبار ، نشر دوزي ، ليدن ، 1847 ، ص ص 101 - 103 .