الفقهاء « 1 » ، والذي يبدو لنا أن جماعة المشروطة على العموم كانوا ينظرون إلى واقع الحال من زاوية دقيقة وحساسة واضعين أمام أعينهم ( الدين ) وهم قادته و ( الدولة ) التي بيد آخرين ، وهناك بين الاثنين تقاطع ، فلا بد من أن تنقاد الدولة للدين سواء كان قادتها من رجال الدين أو من رجال السياسة ، لأن عملية الفصل لا يمكن أن تتم ، وإذا تمت فعندها يكون المرجع الديني الأعلى بعيدا عن تنفيذ واجباته ويكون في الغالب تابعا للدولة ، ولما أجهضت حركة المشروطة ، تنفس الحكام الصعداء ولقي رجال العلم على أيديهم القتل والتعذيب والتشريد ، وهذا ما حصل فعلا في العراق وإيران وتركيا ، وكانت الأوساط الاستعمارية تخشى من أي اتفاق يقع بين المسلمين أو إصدار المرجع الديني فتوى بالجهاد ، لأن ذلك سوف يقضي على مصالحها ، وقد أدرك الإمام الآخوند الخراساني خطورة التآمر الاستعماري والسائرين في ركابه ، فأطلق صيحته المدوية لتحرير العالم الإسلامي ، وبقيت صيحته مدوية حتى بعد وفاته ، ففي عام 1915 م طلب سفير تركيا عاصم بك من والي بغداد استحصال مكاتيب خصوصية من علماء النجف ومجتهديها إلى الشاه احمد خان يحذرونه من الاتفاق مع الروس والإنكليز ويحرضونه للقيام بالجهاد المقدس الذي أعلنه السلطان العثماني « 2 » ، وقد سبق لعلماء النجف أن أعلنوا الجهاد ضد الإنكليز عند دخولهم العراق عام 1914 م ، وجهاد آخر عام 1920 م عند انبثاق ثورة العشرين ، في حين أن جماعة المستبدة كانوا بعيدين عن هذه المجابهة مع المستعمر المتربص للإسلام ومع الحاكم الظالم السائر في ركاب الأجنبي ، فكان الواجب المقدس أن تؤدي النجف واجبها الديني على الصعيدين السياسي والفكري دفاعا عن الإسلام والمسلمين ، فقد برزت تيارات فكرية الحادية في مطلع القرن الرابع عشر الهجري ، وأخذت الموجة المادية تنتشر في الأوساط العربية والإسلامية ، وأخذت مجلة " المقتطف " المصرية تنشر
هامش
( 1 ) ريتشارد دبليو كوتام : القومية في إيران ص 214 .
( 2 ) العمري : تاريخ حرب العراق 1 / 186 .