تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تراجم المؤلفين التونسيين — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
وترجع بعد ذلك إلى تونس رجلا كاملا عالما ، فقال أنى لي ذلك وأنا لست صاحب مال ، وكيف أنفق على نفسي وأنا مملق . قال : لا تخف ولا تخش شيئا فهنا لك من يتعهد لك بالنفقة ومن يرعاك ويكفيك كل حاجاتك قل إنك تقبل السفر من أجل الدراسة وستجد من يمدك بالمال ، ويهيئ لك في القاهرة أو دمشق سبيل الحياة الكريمة ، فوقف وتقدم خطوة نحو الباب ، وقال : قل للذين أرسلوك أيها الأستاذ إن هذا الشخص الضعيف الذي يقف الآن أمامك لا يباع ولا يشترى ، ولا يساوم كغيره من الرجال ، أنا مكافح مناضل ، سأبقى هنا في مركز النضال والكفاح ، وما على الذين أرسلوك إلّا أن يزجوا بي من جديد في السجن ، أو يبعثوا بي إلى المنفى ، أو ينفذوا فيّ حكم الإعدام فأموت شهيدا في سبيل اللّه ، أمّا أن أخون وأتراجع وأستخذي فذلك لا يكون إطلاقا . ووقف الشيخ شاحبا متجهما ، وتقدم نحوه فقبل جبينه وهو يقول : واللّه قد كنت أعلم أنك تقول هذا وأكثر من هذا ، وقد قلت لهم : إن هذا الشاب من طينة أخرى ، فقالوا لي : جرب على كل حال ، اذهب اللّه يحفظك ويسترك وما عند اللّه خير وأبقى . وخرج من عنده وقد أيقن أن مدة وجوده بتونس أصبحت محدودة ، فازداد شدة وحدة ، وأقدم مرتاحا مطمئنا على النفي مصيره المحتوم . ولم يكن نشاطه محصورا في العمل الحزبي والصحافي ، بل شارك في ميدان التأليف والنشاط الاجتماعي فكان عضوا في لجنة الخلافة الإسلامية ، بعد إلغاء الأتراك لنظام السلطنة ، وإعلانهم استقلال الخلافة عن الدولة وهو الذي كوّن هذه اللجنة ، وضم إليها جماعة ممن كان يرى فيهم الخير والهمة والمشاركة في الرأي من أمثال محي الدين القليبي ، ومحمد معلّى ، وعثمان الكعاك ، والحبيب المزيو وغيرهم وكانوا عشرة رجال عقدوا اجتماعا بمنزله في شارع الديوان ، وأسندوا له الرئاسة ، وقرروا توجيه برقية للخليفة عبد المجيد .