تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
ابن حزم عن ذلك : إنّ سبب ذلك هو القياس الّذي يفسح المجال للفقهاء لتحكيم رأيهم بكثير من التّعسّف في القرآن والحديث . والمنطلق الثّاني واقعي اجتماعي ويتمثّل في الفساد الّذي استفحل في المجتمع الأندلسي وخاصّة بعد اندلاع الفتن بقرطبة . فقد أفرط أصحاب المذاهب في استعمال القياس ومبدأ الاستحسان ، فكانا - بيد الفقهاء - مركبين ذلولين لم يعدّ لهما أيّ كابح من ضمير أو خلق . فقالوا في الدين برأيهم وحكّموا في كلام اللّه وسنّة نبيّه أهواءهم . وكان ردّ ابن حزم سريعا وقويّا ، وهو الّذي عرف بسعة اطّلاعه وعمق تحليله ودقّة ملاحظته من جهة ، وبنزاهة ضميره وعفّة نفسه وقوّة إيمانه من جهة أخرى . فأصحاب القياس هؤلاء من مختلف المذاهب عنده « مختلفون في قياساتهم لا تكاد توجد مسألة إلّا وكلّ طائفة منهم تأتي بقياس تدّعي صحّته ، وتعارض به قياس الطّائفة الأخرى ، وهم كلّهم مقرّون مجمعون على أنّه ليس كلّ قياس صحيحا ولا كلّ رأي حقّا » [ المحلّى ، 1 / 58 ] . ويقوم المذهب الظّاهري عند ابن حزم على مبادئ أهمّها : 1 - الرّجوع في استنباط أحكام الشّريعة إلى القرآن والسنّة . يقول ابن حزم : « وجملة الخبر كلّه أن تلتزموا ما نصّ عليه ربّكم تعالى في القرآن بلسان عربي مبيّن لم يفرطّ فيه من شيء تبيانا لكلّ شيء ، وما صحّ عن نبيّكم صلى اللّه عليه وسلّم برواية الثّقات من أئمّة الحديث » [ الفصل ، 2 / 116 ] ؛ 2 - فهم النصّ من القرآن والحديث على ظاهره اللّغوي دون تأويل أو مجاز لأنّ حمل الكلام على ظاهره الّذي وضع له في اللّغة فرض لا يجوز تعدّيه إلّا بنصّ أو إجماع أو ضرورة حسّ ، لأنّ من فعل غير ذلك أفسد الحقائق كلّها والشّرائع كلّها والمعقول كله [ الفصل ، 2 / 116 - 118 ] ؛ 3 - رفض مبدأ الباطن في الشّريعة ، لأنّ « دين اللّه ظاهر لا باطن فيه ، وجهر لا سرّ تحته . . . وكلّ من ادّعى للدّيانة سرّا وباطنا فيه دعاوى ومخارق » [ الفصل ، 2 / 116 ] ؛ 4 - رفض التّعليل في أحكام الشّرع ، فاللّه لا يشرّع لعلّة خارجة عنه ، وإنّما هو يشرّع بمحض إرادته . كان هدف ابن حزم الأسمى من هذا المذهب إظهار التّوافق والتّناغم بين القرآن والسنّة النّبويّة ، وخاصّة الآيات والأحاديث الّتي أقيمت عليها العقيدة النّظريّة والأحكام التّطبيقيّة . وأصول التّشريع عند ابن حزم ثلاثة : القرآن والحديث في ظاهر لفظهما دون تأويل ، والإجماع الّذي هو عنده إجماع الصّحابة في عصرهم أو إجماع كافّة المسلمين . وبذلك يرفض الاجماع النّاقص كإجماع أهل المدينة عند المالكيّة أو إجماع العلماء عند الحنفيّة . كما يرفض التّقليد ردّا على كلّ المذاهب ، ويرفض الرّأي والقياس ضدّ الشّافعيّة والاستحسان ضدّ الحنفيّة والاستصلاح ضدّ المالكيّة الّتي كانت سائدة في الأندلس [ ظاهريّة ابن حزم في أصول الفقه ، أبو زهرة ، ابن حزم ، ص 275 - 439 ؛ سالم يفوت ، ابن حزم ، ص 87 - 92 ، 125 - 185 ] . والأحكام الخمسة منها واجب وممنوع ومكروه ومندوب ، وهذه الأربعة لا تثبت إلّا بنصّ ظاهر ، فإذا انعدم هذا النصّ فالحكم هو المباح . ومن الأحكام