تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
خرج ابن حزم من قرطبة سنة 404 ه / 1014 م وله عشرون سنة ، واتّجه إلى المرية ، وبها وأصل تعلّمه وجالس كبار علماء اليهود كإسماعيل بن يوسف ، وجادل بعضهم كابن النّغريلة . وكانت المريّة تعجّ بحركة كلاميّة كبرى بين أصحاب ابن مسرّة والمعتزلة والباطنيّة ، وكذلك بين اليهود والمسلمين . وكان لكلّ ذلك تأثير في تعميق ثقافة ابن حزم ودقّة معرفته بالفرق والمذاهب والأديان . وفي الأثناء تواصلت الفتنة بقرطبة وافتكّ الحمّوديّون وهم من البربر الشّيعة الحكم من الأمويّين . وسجن ابن حزم ونفي . ثمّ رجع إلى قرطبة سنة 409 ه / 1019 م بعد أن سادها الأمن . وواصل حضور المجالس العلميّة . وفي سنة 414 ه / 1023 م أصبح وزيرا للخليفة المستظهر الأموي ، ثمّ قتل الخليفة فسجن ابن حزم وأطلق سراحه ، واقتنع بوجوب الابتعاد عن السّياسة نهائيّا ، واستقرّ بمدينة شاطبة ثمّ حصن البونت ، ومنها التحق بجزيرة ميورقة ، بعد أن أصبح معروفا بمذهبه الجديد ، المذهب الظّاهري . وخاض في نفس الوقت سلسلة من المناظرات بقرطبة وطبيرة . وفي ميورقة جادل الفقيه أبا وليد الباجي رأس المالكيّة بالأندلس في مناظرة مشهورة . ثمّ قصد إشبيليّة في عهد بني عباد ، وواجه فقهاء المالكيّة والسّاسة المؤيّدين لهم ، فحرّم عليه التّدريس بالمساجد . واضطرّ إلى الرّجوع إلى موطن عائلته الأصلي قرية منت لشم والانزواء بباديتها . ومني بمحنة قاسية وهي حرق كتبه بإشبيليّة . وتوفّي بعد ذلك بسنتين أي في 456 ه / 1064 م [ أبو زهرة ، ابن حزم ، ص 21 - 142 ؛ سالم يفوت ، ابن حزم والفكر الفلسفي بالمغرب والأندلس ، ص 17 - 62 ] . اتّسعت آفاق ابن حزم الفكريّة وتناول شتّى العلوم النّقليّة والعقليّة والأدب والتّاريخ . ويعتمد مذهبه في اللّغة على أنّ أصلها التّوقيف الإلهي وليس الاصطلاح الإنساني ، وظيفتها التّفاهم ، لذلك يجب الحرص على إبقائها على معانيها الأصليّة الّتي وضعت الألفاظ بإزائها ، ومن هنا يأتي وجوب التّشبّث بظاهرها . وقد خصّص كتابه « الإحكام في أصول الأحكام » لأصول الفقه ، وفيه يعرض مذهبه الظّاهري ، الّذي كان يرفض فيه القياس ويبطل التّقليد ويدعو إلى الاجتهاد بالعودة إلى الأصول وفهمها على ظاهرها . وقد نشأ هذا المذهب بالمشرق على يد أبي سليمان داود بن علي الأصفهاني في القرن 3 ه / 9 م . وسبب نشوئه هو توسّع فقهاء المذاهب الأخرى في استعمال القياس كأصل من أصول التّشريع حتّى يتمكّنوا من استنباط أحكام لما جدّ من قضايا ليس لها أحكام في الأصل . وقد بدا لصاحب هذا المذهب أنّهم أسرفوا في استعماله إلى حدّ أنّه أصبح أداة طيّعة لتحقيق أغراضهم وأهوائهم فيما يصدرونه من تشريع . أمّا بالنّسبة إلى ابن حزم فهناك منطلقان جعلاه يعتنق هذا المذهب ويعادي بقيّة المذاهب من أجله . المنطلق الأوّل فكري نظري ، ويتجلّى أساسا في تساؤل ابن حزم التّالي : كيف نفسّر هذا الاختلاف الّذي يبلغ حدّ التّباين والتّناقض بين المذاهب ، بينما مصدرها كلّها واحد وهو القرآن والحديث النّبوي ؟ ويجيب