جاوزوا المدينة نحو الشام بمراحل [ سير الشماخي ، ص 100 ؛ الجعبيري ، أبو حمزة الشاري ، ص 199 ] .
ومن خلال هذه الأخبار ندرك دور أبي الحر في حركة أهل الدعوة في الحجاز التي كان من ثمارها أن يجتمع لأبي حمزة عندما أراد الخروج إلى الشام أربعمائة رجل من نواحي مكّة ، وهذا العدد ليس بالقليل . ولمكانته تلك اختير ضمن أعضاء الوفد الستّة الذين أرسلهم الإباضية لمقابلة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ، والإدلاء بآرائهم ومواقفهم في قضايا الحكم وشؤون الأمّة ، وطلبوا منه العمل على تصحيح الأوضاع ، والعودة بالأمّة إلى نهج الرسول وخلفائه الراشدين ، ومنع سنة لعن الإمام علي على المنابر [ محمد علي دبوز ، تاريخ المغرب الكبير ، 2 / 175 ] .
على أنّ أبا الحر لم يكن داعية بالعلم والموعظة وحدهما ، بل كان مثالا في التفاني في خدمة الدعوة بماله الخاص ، فقد بسط الله عليه رزقه ، فكان ينفق ثلاثة أرباع ما ينفق على حاجيات الأمّة ، ذلك أنّه كانت تأتيه غلّته من البصرة إلى مكّة نقرة واحدة ذهبا ، فيقسمها نصفين ، فيفرق نصفها على فقراء المسلمين وربعا في نفقته ، وربعا يحبسه يهيّئه لمن يمر به من المسلمين في معاونتهم [ سير الشماخي ، ص 101 ؛ الجعبري ، م . س ، ص 99 ] .
لم يكتف أبو الحر في الجهاد بعلمه وماله ، بل أصبح من قواد أبي حمزة الشاري وقادته بعد لقائهما في مكة ، حيث شارك في معركة وادي القرى وقديد ، وكان إلى جانبه في مكة والمدينة ، وأبلى بلاء حسنا . وتورد كتب السيرة عنه أخبارا تدلّ على حصافة رأيه ، وبعد نظره في قيادة المعارك [ السيابي ، العقود الفضّية ، ص 221 ] .
ظلّ ثابتا في الجهاد إلى جانب أبي حمزة الشاري حتّى النفس الأخير ، إذ دخل دارا من دور قريش ، فأحدق أهل الشام بالدار فأحرقوها ، فلما رأى ذلك رمى بنفسه من الدار فقاتلهم ، فأسر وقتل وصلب مع أبي حمزة الشاري ، ولم يزالوا مصلوبين حتّى أفضى الأمر إلى بني العباس سنة 130 ه [ السيابي ، العقود الفضّية ، ص 222 ] .
وقد ورد اسم أبي الحر علي بن الحصين في القصيدة التي رثي بها طالب الحق ، وفيها عدد الشاعر عمرو بن الحصين العنبري صفات أبي الحر ومكانته العظيمة عند الإباضيّة ، فذكر أنّه كان آمرا بالمعروف ، ناهيا عن المنكر ، متواضعا ، وفيّا لإخوانه ، حكيما في نظراته ومواقفه ، فصيحا لسنا ، ذا كرم وسخاء ، يرفد المحتاجين ، ويحمل الضعفاء ، له غيرة وحمية على دين الله يظهرها بأقواله وأفعاله .
المصادر والمراجع
الجيطالي ، إسماعيل ، قناطر الخيرات ، الجزائر 1963 م ، 1 / 160 - 161 ؛ جمعية التراث ، معجم أعلام الإباضية ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، 2000 م ، 2 / 292 ؛ العسقلاني ، ابن حجر ، الإصابة في تمييز الصحابة ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، ص 235 ؛ الدرجيني ، طبقات المشايخ ، تح . طلاي إبراهيم ، دار البعث ، الجزائر د . ت ، 1 / 5 ، 7 ، 2 / 210 ، 262 - 263 ، 273 - 269 ؛