رغب هو وأبوه الهجرة إلى المدينة ، استوقفته قريش ، وقالوا له : إنكم تريدون محمّدا ، فقلنا - أي هو وأبوه وأخوه - ما نريد إلّا المدينة ، فأخذوا العهد عليهم ، لنصرفنّ إلى المدينة ، ولا نقاتل مع محمد . فلما وصلوا المدينة أخبروا النبي بعهد قريش عليهم ، وطلبوا أن يشاركوا في معركة بدر مع المسلمين ، ولكن الرسول منعهم ، وقال لهم : نفي بعهدهم ، ونستعين اللّه عليهم ، ولما وصلوا إلى المدينة آخى الرسول بينهم وبين بني عبد الأشهل من الأنصار ، وهم من اليمانية ، فلذلك قيل في تسمية أبيه « اليمان » لحلفه لليمانية . ووالد حذيفة اسمه « حسيل » وقيل سمي باليمان ؛ لأنه كان يتجر إلى اليمن ، فإذا أتى إلى المدينة قالوا : قد جاء اليماني .
وكان حذيفة موهوبا بالفراسة ، ومعرفة باطن الشخص من ملامحه الظاهرية وتصرفاته الخارجية ، ولذلك شهر عنه أنه أعلم الناس بالمنافقين . وهؤلاء فئة من الناس موجودة في كل عصر وفي أي زمان ، وقد كانت لحذيفة بصيرة بكشفهم . كشفهم عندما رجع الرسول من غزوة تبوك ، فقد تآمر عليه اثنا عشر رجلا منهم ليقتلوه ويلقوه في العقبة وهو عائد ، فتنبه لذلك حذيفة ، وأبطل المؤامرة . وكشفهم في غزوة الخندق عندما ادعوا أن بيوتهم عورة ، ذريعة للانسحاب من المعركة . فعلم الرسول بنياتهم ، وصدّق حذيفة رأيه فأذن لهم الرسول بالانسحاب ، لكيلا يحبطوا عزائم المؤمنين حقا ، ويزعزعوا صفوفهم . واستمر هؤلاء على النفاق حتّى أن عمر بن الخطاب إذا مات أحدهم طلب من حذيفة أن يصلي عليه ، فإذا اعتذر حذيفة اعتذر عن الصلاة عليه عمر ، لمعرفته بمضمون موقف حذيفة من هؤلاء .
وإذا كان حذيفة وأبوه قد فاتهما أن يشتركا في معركة بدر فإنهما رغبا في أن يشتركا في معركة أحد ، وقد دخلها الشاب حذيفة وخلّف أباه في المدينة ، فعزّ على الوالد أن يظلّ مع النساء ، فما كان منه إلّا أن أخذ سيفه ولحق برسول اللّه ، ولمّا دخل المعركة ظنّ المسلمون أنه من المشركين ، لأن وجهه كان مغطّى باللّامة ، فانهالوا عليه بالسيوف ، وقتل خطأ على يد عبد اللّه بن مسعود ، وكان حذيفة ينبّه المسلمين ويقول : إنه أبي ، ولكن أمر اللّه نفذ فيه ، فما كان من الرسول إلّا أن قدّم لحذيفة ديته ، إلا أن حذيفة تصدّق بديته على المسلمين ، فزاده ذلك عند رسول اللّه حبّا .
ولعل أبرز المواقف الشجاعة التي سجلها حذيفة هو موقفه في معركة الخندق . ذلك أن الرسول كلفه في ليلة اشتدّ فيها البرد والجوع والظلام أن يخترق صفوف المشركين ويأتيه بأخبارهم . وقام بهذه المهمة في ظروف حرجة ، ولكنه عاد إلى معسكر المسلمين وهو يحمل أنباء عزم المشركين على الرحيل . وظلّ يرافق الرسول في كلّ تحرّكاته حتّى اقترب الرسول من لقاء ربه فجلس بجانبه يسمع أحاديثه ووصاياه وهو على فراش الموت إلى أن رحل إلى جوار ربه . واصل حذيفة جهاده لنصرة الإسلام ، فشارك مشاركة فعّالة في فتح العراق ، كجندي مسلم ، ولكنه ارتقى إلى سدة القيادة عملا بكتاب عمر بن الخطاب الذي جاء فيه : إذا اجتمع المسلمون فليكن كل أمير على جيشه ، وليكن أمير الجيوش جميعا النعمان بن المقرن ، فإذا استشهد النعمان فليأخذ الراية حذيفة ، فإذا استشهد فجرير بن
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 285
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٢٨٥