عبد الرحيم البيساني صاحب ديوان الإنشاء عن الخلافة العاضدية آخر الخلفاء الفاطميين ( 563 ه / 1167 م ) فصنّفه معتمدا على ذاكرته ، فوقع في أخطاء خطيرة تاريخية ، كما اعتمد أيضا على كتاب « المفيد في أخبار زبيد » لأبي الطامي جياش بن نجاح ، ونقل عنه بأنّ عامل المأمون على اليمن كتب إليه بخروج الأشاعر وعكّ عن طاعته ، فأرسل المأمون محمد بن زياد ( من أولاد زياد بن أبي سفيان ) ، ومعه رجلان أحدهما من أولاد سليمان بن هشام بن عبد الملك ، والآخر محمد بن هارون من بني تغلب إلى اليمن عاملا عليها على رأس جيش فحجّ هو ومن معه سنة 203 ه / 818 م ، وسار إلى اليمن ، وفتح تهامة بعد حروب جرت بينه وبين العرب ، واختطّ مدينة « زبيد » في شعبان سنة 204 ه / 819 م وقلّد مولاه جعفر الجبال ، واختطّ بها مدينة يقال لها « المذيخرة » . وهذا الكلام غير صحيح ، فالدّولة الزّيادية ( وهي مانيّة النّسب ) لم تظهر في اليمن إلا في العقد التاسع من المائة الثالثة للهجرة على يد أبي الجيش إسحاق بن إبراهيم بن زياد المتوفّى سنة 362 ه / 972 م ، كما نصّ على هذا ابن جرير الصنعاني في كتابه [ تاريخ صنعاء ، ص 91 ] وليس كما جاء في تاريخ عمارة سنة 380 ه / 990 م .
وأما زبيد فإنها كانت عامرة قبل هذا التاريخ بالعلماء وغيرهم ، فقد توفّي بها الإمام الحافظ موسى بن طارق الرّعرعي سنة 203 ه / 818 م ، وكان يسكنها قبل الزياديين آل يوسف الشراحيون ملوك تهامة من عهد المعتصم محمد بن هارون الرشيد ( 218 ه / 833 م - 227 ه / 841 م ) إلى أيام المعتمد أحمد بن جعفر بن المعتصم ( 256 ه / 869 م - 279 ه / 892 م ) [ صفة جزيرة العرب ، ص 222 ] وعلى رأس آل يوسف الأمير عبد الله بن يوسف الشراحي .
ولا يعقل أن ينفرد عمارة بهذه الرواية ، كما أوضح ذلك أخي القاضي محمد بن علي الأكوع في تعليقه على [ السلوك للجندي ، 1 / 222 ] ، وهي إرسال المأمون جيشا بقيادة محمد بن زياد ، ويحج وهو في طريقه إلى اليمن ، ويغفل عن ذكر هذا الحدث العظيم أو حتى الإشارة إليه مؤرخو الدّولة العبّاسية بدءا من ابن سعد المتوفّى سنة 230 ه / 844 م في طبقاته ، وخليفة بن خياط المتوفّى سنة 240 ه / 854 م ، وابن واضح اليعقوبي المتوفّى بعد سنة 254 ه / 868 م ، وابن حنيفة الدينوري المتوفّى سنة 282 ه / 895 م ، وشيخ المؤرخين محمد ابن جرير الطبري المتوفّى سنة 310 ه / 922 م ، والمسعودي المتوفّى سنة 346 ه / 957 م ، وانتهاء بابن الأثير المؤرّخ المتوفّى سنة 630 ه / 1232 م الذي جمع في كتابه الكامل متفرّقات التواريخ ، كما أن المؤرّخ اليماني إسحاق بن يحيى بن جرير الصنعاني المتوفّى نحو سنة 450 ه / 1058 م في كتابه « تاريخ صنعاء » ذكر ولاة الدولة العباسية على اليمن ، ولا سيما ولاة المأمون ، فلم يرد في هؤلاء الولاة ذكر لمحمد بن زياد على الإطلاق .
كذلك فقد وهم عمارة في أن جعفر مولى ابن زياد هو الذي اختطّ مدينة « المذيخرة » مع أنها قديمة ، وكانت مسكنا للجعافر ملوك الكلاع في الإسلام الذي دام 150 سنة وأبرزهم إبراهيم بن محمد ذي المثلة ، وقد حكم ثلاثين سنة ، ثم ابنه جعفر ، وقد حكم خمسين
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 272
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٢٧٢