تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
للبيمارستان ، وأخيرا فوّض إليه أمر خزائن الكتب في بغداد . وسواء أكان شخوصه إلى بغداد بعد تولية الخليفة المستنصر أم قبله بفترة وجيزة ، فإن وجوده في حاضرة الخلافة كان فرصة ثمينة له في الاستزادة من ينابيع العلوم العربية والشرعيّة التي ارتوى منها في المدائن ، فقد كانت بغداد آنذاك ما تزال - على الرغم من تضعضع سلطان الخلافة - كعبة العلماء من اللغويّين والنحويّين ، والأدباء ، والفقهاء والمتكلّمين . وفي بغداد أيضا اتّصلت أسبابه بالوزير مؤيد الدين أبي طالب محمد بن أحمد ابن محمد بن العلقمي ، وزير الخليفة المستعصم الذي سبقته الإشارة إليه ، وتوطّدت بينهما . ومردّ ذلك نزعة التشيّع التي تجمعهما ، وما كان يتّصف به ابن العلقمي من فضل وحب للأدب ، وميل إلى الإغداق على الأدباء . كان ابن أبي الحديد فقيها أصوليّا متكلّما شاعرا ناقدا متضلّعا في فنون الأدب خبيرا بمحاسن الكلام ، وشرحه لكتاب « نهج البلاغة » أحسن ما يتجلّى فيه رصيده المعرفي ، في غزارته ، وتنوّعه بين علوم اللسان جميعا من اللغة ، والنحو ، وعلوم البلاغة ، وذخائر التراث الأدبي شعرا ونثرا ، ومعرفة بأحداث التاريخ العربي ، وأنساب العرب ، ودراية بالمسائل . وأصول الاعتقاد ، ومذاهب الفرق الإسلاميّة ، ويمكن التعرّف على جانب من شخصية ابن أبي الحديد الفكرية ، ومنهجه في الفهم والذوّق لفنون الشعر والكتابة ، واستيعابه لقضايا الدرس البلاغي ، وتمرّسه بأسلوب الحجاج والجدل - بما كتبه عن كتاب ضياء الدين بن الأثير ( 558 - 637 ه ) « المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر » . فقد تتبع كثيرا ما جاء في هذا الكتاب من آراء ابن الأثير ، وأبان عما فيها من خطأ أو سوء فهم ، وجمع ذلك كله في كتاب أسماه « الفلك الدائر على المثل السائر » . وأعرب في مقدّمته عن أنّ الذي دعاه إلى ذلك نبرة الغرور والإعجاب بالنفس عند ابن الأثير ، وإزراؤه على الفضلاء من العلماء وتنقصّه منهم ، وتعصّب جماعة من أكابر الموصل ( موطن ابن الأثير ) للكتاب ، وتفضيلهم إياه على أكثر الكتب المصنّفة في موضوعه . فأراد أن يعلم ابن الأثير وأصحابه المتعصّبين له أن في بغداد من يفوقه علما ، ومن لديه من الفطنة وحسن الفهم وسداد الفكر ، ما يهدم عمله ويطيح به . وهذا ما توحي به التسمية التي اختارها للكتاب ، فقد كثر في استعمال العرب أن يقولوا لما باد ودثر : « قد دار عليه الفلك » كأنّهم يريدون أنه قد طحنه ومحا صورته . ولم يفت ابن أبي الحديد أن يعتدّ بذاته وجهده ، على غرار ما فعل صاحبه ، مع الفارق بالطبع بينهما ، فأشار إلى أن تصفحه لكتاب ابن الأثير ، ومناقضته له لم يستغرق منه - على الرغم من انشغاله بالأعمال الديوانية - سوى خمسة عشر يوما ، بدأت من غرّة ذي الحجّة سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ( 633 ه ) ، وانتهت في منتصف الشهر نفسه . وتعبيرا عن عرفانه بفضل الخليفة المستنصر عليه ، أعلن أنه يتقرّب بالكتاب إلى الخزانة المستنصريّة الشريفة . ويعتبر ابن أبي حديد شاعرا وقد عرف