فأجبته مع رسوله بهذه الأبيات :
حاشاك من هذا الخطاب خطابا * يا خير أملاك الزمان نصابا
لكن إذا ما أفسدت علماؤكم * معمور معتقدي وصار خرابا
ودعوتمو فكري إلى أقوالكم * من بعد ذاك أطاعكم وأجابا
فاشدد يديك على صفاء محبّتي * وامنن عليّ ، وسدّ هذا البابا
وهذا هو ما جعل ابن خلكان يجزم بأنّ عمارة ظلّ متمسّكا بمذهبه الشّافعي في ترجمته له بقوله : « وكان فقيها شافعي المذهب شديد التعصّب للسنّة ، أديبا ماهرا شاعرا مجيدا محادثا ممتعا ، فأحسن الصالح وبنوه وأهله إليه كلّ الإحسان ، وصحبوه مع اختلاف العقيدة لحسن صحبته » [ وفيّات ، 3 / 431 ] .
ومهما يكن من تضارب الأقوال حول من يجزم بانتمائه إلى مذهب الفاطميين بشواهد قويّة ، وبين من يرجّح بقاءه على شافعيته وسنّيته ، فإن عمارة ظلّ على موالاته ومحبّته لرجال الدّولة الفاطمية والغلوّ في مدحهم والدفاع عنهم حتّى بعد زوالهم وانقراض دولتهم على يد صلاح الدين الأيوبي . فقد حزن عليهم كثيرا ، ورثاهم بروائع شعره ، كما شارك مع نفر من صنايع الفاطميّين في مؤامرة لإعادتهم ، إلى حكم مصر يؤازرهم في ذلك الإفرنجية ، وربّما أنّهم هم الذين دفعوا هؤلاء المتآمرين للقيام بالقضاء على صلاح الدين كفاء لما قدّمه الفاطميون لهم من عون لاحتلال بيت المقدس ، ثمّ مكنوهم من الهيمنة على مناطق من بلاد الشام . ولذلك كما ذكر المؤرخ الألماني « أوتو » أسقف فريزنغ في كتابه « مدينتان » ، فقد روى : « أنّ غودفري قائد إفرنجة الحملة الصليبية الأولى تلقّى ، وهو يحاصر إنطاكيّة ، وفدا قدم من عند الخليفة الفاطمي ( المستنصر ) ، وتمّ التّحالف معه ضدّ السّلاجقة . ولدى عودة هذا الوفد إلى القاهرة كان بصحبته نخبة من أمراء الإفرنجة ، فاتفقوا على إرسال جيش فاطمي إلى القدس لاحتلالها وطرد السّلاجقة منها ، وتمّ ذلك في أغسطس سنة 1098 م وكان للفرنجة دورهم في ذلك ، فقد وصلت حملتهم الأولى إلى القدس ، وقتلوا سكّانها » [ دكتور سهيل زكار ، الموسوعة الشّامية في تاريخ الحروب الصليبية ، 29 / 329 - 332 ] .
وكان عمارة قد زيّن لتوران شاه الذّهاب إلى اليمن وشجعه على فتحها وحكمها مستقلا بها حتّى يتفرّد المتآمرون بأخيه صلاح الدين ، فإذا ما غاب عن مصر وقتل صلاح الدين خيّل للمتآمرين نجاح تدبيرهم ، لأنه لا يوجد من يخلفه في الساحة [ أبو شامه ، الرّوضتين ، 1 / 216 - 220 ] لولا أن هذه المؤامرة انكشف أمرها لصلاح الدين فقضى عليهم بعد اعترافهم جميعا بما كانوا عازمين على القيام به ، وقد قتل عمارة شنقا في اليوم الثاني من رمضان سنة 569 ه / 5 / 4 / 1174 م . وكما تمّ لصلاح الدين إزالة حكم الدولة الفاطمية فقد تمّ له أيضا النّصر على الإفرنج في حروبه معهم في حطّين وغيرها من بلاد الشام .
وكان عمارة قد صنّف كتابه « المفيد في أخبار صنعاء وزبيد » امتثالا لرغبة القاضي الفاضل