طراز أعلام الزّمن ، لوحة 135 ؛ ثغر عدن ، ص 165 ؛ خريدة القصر ، 3 / 152 ] .
ولما عاد إلى زبيد سنة 549 ه / 1154 م وجد قلوب من يعرفهم من أهلها قد انحرفت عنه ، ذلك لأنهم أنكروا عليه مصاحبته لآل زريع ومدحه لهم حتّى ظنّوا أنّه ربّما قد تحوّل عن مذهبه الشافعي وعقيدته السلفية إلى المذهب الباطني الإسماعيلي الذي يدين به آل زريع ، فعزم من عامه هذا إلى مكة للحجّ ، ورأى نفسه بعد أن فرغ من أعمال الحجّ أنّه في حاجة إلى الاستجمام للابتعاد عن ميدان التكفير والتفسيق ، فقرّر البقاء في مكة ، وعقد مجلس وعظ في الحرم الشريف ، فاشتهر أمره وذاع خبره بين أهلها فاستدعاه أمير مكة قاسم ابن هاشم بن فليتة إليه ، فأعجب بذكائه ، وسرعة فطنته ، وسعة علمه ، ولعلّ عمارة قد قصّ عليه جانبا من أخباره ، وأنه قد قضّى وقتا من حياته لدى الدعاة آل زريع حكّام عدن . لذلك فقد رأى فيه أمير مكّة أنّه خير من يقوم بالسفارة بينه وبين الخليفة الفاطمي عيسى بن الظافر ، وذلك لما لعمارة من علاقة أكيدة بملوك آل زريع الذين هم امتداد لحكم الفاطميّين في اليمن لارتباطهم بهم في العقيدة والمذهب . فسيّره إلى مصر فدخلها في شهر ربيع الأول سنة 550 ه / 1155 م ، فقابل الفائز ووزيره الملك الصّالح طلائع بن رزّيك فأنشدهما قصيدته المشهورة التي مطلعها :
الحمد للعيس بعد العزم والهمم * حمدا يقوم بما أولت من النعم
فاستحسناها وأجزلا صلته ، وبقي لديهما محاطا برعايتهما في أرغد عيش وأعزّ جانب حتّى عاد إلى مكة في شوال من السنة نفسها ، ثم اتجه إلى اليمن فدخل زبيد في صفر سنة 551 ه / 1156 م ومكث فيه أشهرا ، ويظهر أنه لم يجد في أهل زبيد من الودّ والتّقدير ما يغريه على البقاء فيها ، وذلك لما سلف ذكره من علاقته بالدّعاة آل زريع فحجّ من عامه هذا . ثم أوفده صاحب مكة مرّة أخرى إلى مصر لتحسين العلاقة بينهما بسبب ما أخذه عسكر أمير مكة من أموال حجّاج الشام ومصر فاستقرّ بها ، ولم يفارقها ، ذلك لأنه استحبّ البقاء فيها في كنف الدولة الفاطمية التي أكرمته وأغدقت عليه عطاياها ، فأحبّ خلفاءها وملوكها وأعيانها حبا صادقا ومحضهم الود ، ومن وجد الإحسان قيدا تقيدا حتّى ظنّ الملك الصالح أنّ من استطاعته إقناع عمارة باعتناق المذهب الفاطمي الإسماعيلي ، وذلك كما روى عمارة نفسه في كتابه [ النكت ، ص 45 ] بقوله : « لم أشعر في بعض الأيّام حتّى جاءتني من الملك الصالح رقعة فيها أبيات بخطّ يده ، وثلاثة أكياس ذهبا ، وهذه هي الأبيات :
قل للفقيه عمارة يا خير من * أضحى يؤلّف خطبة وخطابا
أقبل نصيحة من دعاك إلى الهدى * قل حطة وادخل علينا البابا
تلق الأئمة شافعين ، ولا تجد * إلّا لدينا سنة وكتابا
وعليّ أن يعلو محلك في الورى * وإذا شفعت إليّ كنت مجابا
وتعجّل الآلاف وهي ثلاثة * صلة ، وحقك لا تكون جوابا