ويرجع الفضل في ذلك إلى جملة من الحكماء الذين استجمعوا قواهم على إثر النكسة العامرية فتجرّدوا لإقراء الحكمة ، والفلسفة ، وعلوم الطبيعة بحاضرة إشبيلية . نخصّ منهم بالذكر الشيخ الحكيم أبا الحسن شهاب بن محمد المعيطي الذي شكل مع ابن حجاج ومعاصره أبي الخير الإشبيلي ، أقطاب علماء الفلاحة والنبات الذين تألّقوا بإشبيلية الطائفية . وسرعان ما التحق بحاضرة بني عباد كل من محمد بن إبراهيم بن بصال ، وعلي ابن اللونقة لائذين من طليطلة على إثر سقوطها في يد ألفونسو السادس ملك قشتالة خلال سنة 478 ه / 1085 م . كما التحق بإشبيلية محمد بن مالك الطغنري حيث تلقى أصول علم الفلاحة 474 ه / 1081 م مع أقرانه من طلاب الحكمة والعلوم الطبية على يد أبي الحسن شهاب بن محمد المعيطي الإشبيلي .
هكذا تألّقت شخصية ابن حجاج العلمية في ظلال هذه المدرسة الفلاحية الإشبيلية الموصولة الروابط بطليطلة الذّنونيّة والممتدّة الجسور نحو غرناطة الزّيريّة .
ومن أبرز مصنّفات ابن حجاج كتاب « المقنع في الفلاحة » الذي وضعه بإشبيلية سنة 466 ه / 1073 م . ويتضمّن هذا الكتاب خلاصة آراء الحكماء القدامى وعصارة تجارب علماء الفلاحة السابقين ، فضلا عن إسهامات علماء مشرق دار الإسلام خلال القرون الهجرية الأولى . وتقدّر مجمل المصادر التي اعتمد عليها ابن حجاج في وضع كتابه بثلاثين علما من أشهر حكماء الإغريق وعلماء الهند والروم وغيرهم من المختصين في الفلاحة والنبات وعلوم الطبيعة ، على مدار العصور الخالية إلى زمن المؤلّف . لم يقتصر دور ابن حجاج على استقصاء المعارف الفلاحية الموروثة عن الأمم والحضارات القديمة وجعلها في متناول عامة الفلاحين بالأندلس ، بل اندرج على إخضاع خلاصتها لمحك التجربة . وهو ما باشر تدبيره بإقليم الشرق المطل على الحاضرة وبغيره من حقول التجارب الفلاحية بالمملكة العبادية . ولا غرو ، فقد اشتهر بنو حجاج بكثرة ما توارثوه من مستغلّات واكتسبوه من ضياع بمجمل غرب الأندلس .
وبجمعه بين العمل والنظر وربطه الحكمة بالتجريب ، اتّضحت مكانة ابن حجاج المتميّزة في سياق تاريخ علم الفلاحة والنبات والبيطرة بالأندلس ؛ إذ يحتلّ موقعا وسطا بين « أصحاب التقليد من أهل الفلاحة » الأندلسيين الذين اقتصروا على بعث المعارف القديمة وإثبات آراء الحكماء الأوائل ، وبين المتأخرين ممّن آثر المنهج التجريبي . ومن المعلوم أنّ الشروع في فصل العلوم التجريبية عن أبعادها الفلسفية في الحضارة العربية الإسلامية ، ابتداء من منتصف القرن الخامس الهجري ، قد أسفر عن الميل جملة نحو إيثار الأعمال التطبيقية والجوانب التقنية . وهو ما يتّضح من قول محمد بن مالك الطغنري بأنّنا لم نثبت في فلاحتنا إلّا « بمقدار ما انتهت إليه طاقتنا وبلغ تجريبنا » . وبالمثل ، لم يتردّد ابن العوام عن الإقرار : أنني « لا أثبت شيئا من رأي إلّا ما جربته مرارا فصّح » .
وبقدر ما استفاد ابن حجاج الإشبيلي من آراء علماء الفلاحة السابقين ممّن يندرج ضمن أهل النظر ، أثّر في توجيه اللاحقين من أهل التجربة والتدبير . يتّضح ذلك من خلال دأب
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 190
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٩٠