ابن حجاج الإشبيلي ، أبو عمرو أحمد بن محمد ( 398 ه / 1008 م - 467 ه / 1075 م )
أبو عمرو أحمد بن محمد بن حجاج الإشبيلي ، عالم فلاحة وبيطري وأحد مشاهير علماء الفلاحة بالأندلس ممن كان له شأن في إعادة ربط علوم الفلاحة والنبات والبيطرة في الغرب الإسلامي بالحكمة والفلسفة وعلوم الأوائل ، على إثر ما تعرّضت له هذه الأصول من اجتثاث في سياق الضربة العامرية . وعلى غرار غيره من حكماء أهل الفلاحة . تكاد تصمت كتب التراجم والطبقات عن ذكر تفاصيل حياته ، والملاحظ أنّ الترجمة الفريدة التي خصّها ابن بسام لهذا العلم قد سقطت من متن كتابه الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ، وهي الترجمة الأصل التي اقتطف منها ابن سعيد بعض النتف التي أثبتها في كتابه « المغرب في حلي المغرب » .
وينتمي ابن حجاج إلى إحدى أعرق البيوتات الإشبيلية المتأصّلة في عرب لخم من اليمانية الذي استقرّوا منذ وقت مبكّر بسند بني حجاج المنسوب إليهم على بعد خمسة عشر ميلا من الحاضرة . كما ينتسبون من جهة الأم إلى سارة القوطية التي ورثت عن أبيها ألموند بن غيطشة آخر ملوك القوط الضياع الواسعة بغرب الأندلس . وقد نال بنو حجاج الرياسة والجاه والثروة بإشبيلية وقرمونة وبمجمل غرب البلاد على مدار تاريخ الأندلس .
وتجمع المصادر التي تناولت بالذكر ابن حجاج على وصفه بالوزير الخطيب الأديب ، وكذا بالشيخ الفقيه الإمام . وليس أدل على شمول مداركه لعلوم زمانه الفقهية والأدبية والحكمية من إقرار معاصريه من أهل القلم « بكونه بحر علوم وسابق منثور ومنظوم » .
عاش ابن حجاج في إشبيلية في قصور الأمراء ، حيث تلقى تعليما راقيا ، فدرس العلوم الدينية والعربية وتميّز فيها ، فكان الفقيه والمحدّث والشاعر في زمنه بما شهد له به نظراؤه . كما كان بحكم نسبه ومكانته في قومه أن أجاد اللّغات اليونانية ، والرومانية ، والنبطية ، وهو ما يظهر في كتاباته المتعدّدة والمراجع التي يرجع إليها .
وعلى الرغم من تعدّد مواهبه ، فإنّ الفلاحة كانت أولى اهتماماته ، فقد نشأت معه منذ صغره في حدائق وبساتين قصور الأمراء .
وزاد ابن حجاج فيها بخبرته وتجاربه العملية التي اكتسبها من خلال رحلاته وتنقلاته الدائمة بين مدن طليطلة وإشبيلية . وفي طليطلة تبادل ابن حجاج خبراته الزراعية مع ابن وافد الذي كان يرعى بستان المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة الذي أنشأ جنته على نهر التاجه . وكان ابن حجاج ينقل خبراته معاينة ، ولا ينقل سماعا إلّا بتجربته ، فتجاوز بذلك الكثير من المواد الأسطورية والخرافية التي تناقلها الفلاحون ودوّنتها كتب الفلاحة . ومما يجدر ذكره أن سوق الفلاحة أصبحت نافقة بإشبيلية خلال القرن الخامس الهجري .