القرطبيين مطرف بن قيس ، وبقي بن مخلد ، ومحمد بن وضاح ، ويوسف بن يحيى المغامي ، وكان المغامي آخرهم موتا » .
انحدر ابن حبيب من وسط اجتماعي متواضع . كان أبوه يعرف بحبيب العصار ، كان يستخرج الدهن . ويبدو أنّ ظروف ابن حبيب المادّية لم تتحسّن كثيرا ، فقد كان يقرض الشعر أحيانا للحصول على بعض المال أو بعض المساعدات ، أو ليشكو سوء حظّه . ورغم ذلك فقد كان « ذا منظر جميل » ، وكان يلبس الخز والسعيدي . وإنّما يفعله إجلالا للعلم ، فيما كان « يلبس على جسمه مسح شعر تواضعا » . وقد سئل عن ذلك فقال : « لي مالان : غنائي في ظاهر أمري ، وقصدي خاصة نفسي » .
ذكر القاضي عياض أنّ ابن حبيب استقر بإلبيرة إثر رحلته إلى الشرق ، « فانتشر علمه وروايته » بها ، فنقله الأمير عبد الرحمن بن الحكم إلى قرطبة ورتبه في طبقة المفتين بها .
فأقام فيها ممّا ساعده على نشر المذهب المالكي ، فقد كانت الأندلس في البداية على مذهب الأوزاعي ( ت 157 ه / 774 م ) الذي نشره بها تلميذه صعصعة بن سلام ( ت 192 ه / 807 م ) المستقر بقرطبة يتولّى فيها الإفتاء والإمامة والتدريس وكان ابن حبيب من بين تلاميذه . ولم تستطع السنّة الأوزاعيّة أن تصمد بالأندلس أمام تقدم المذهب المالكي إلى الأندلس . إذ رحلت جماعة أندلسيّة لطلب العلم وأداء فريضة الحج منذ عهد الحكم الأوّل بن هشام ( 180 - 206 ه / 796 - 822 م ) وعهد خلفه عبد الرحمن الثاني ( 206 - 238 ه / 822 - 852 م ) وهو ما يعدّ تفتّحا بعد فترة انكماش بالمنطقة . ولمّا كان ابن حبيب من جملة الراحلين إلى الشرق فقد استفاد من شيوخ المذهب المالكي بالمدينة ومصر وعاد ليبثّ ما لقيه من آراء ببلاده ووثّق ذلك في تأليف الواضحة الذي نذكره لاحقا .
إلّا أنّ نشر المذهب المالكي لم يكن مقتصرا على ابن حبيب ، بل كان يتولّاه أيضا يحيى بن يحيى الليثي ( ت 234 ه / 848 م ) ، أحب رواية الموطأ لمالك التي تنسب إليه وهي أشهر الروايات وأكثرها انتشارا خاصّة في المغرب الإسلامي . وتذكر النصوص الخلافات الشديدة والمشاحنات التي كانت بين الرجلين بسبب المعاصرة والمنافسة . وانتهت الخلافات بينهما بوفاة يحيى فانفرد عبد الملك ابن حبيب بالرياسة العلمية في الأندلس [ مخلوف ، شجرة النور ، 1 / 74 ] . ويبدو أن يحيى الليثي وقاضي قرطبة قد سعيا إلى إبعاد ابن حبيب عن منصبه الشرفي . وقد تحدّث القاضي عياض عن « تحامل الفقهاء » عليه وقد كان لهذا الجانب صدى في ميدان الفتيا . فقد أفتى جماعة الفقهاء بتبرئة ابن أخي عجب الذي كان تكلّم بعبث من القول في يوم غيم ، فيما أصرّ ابن حبيب وأصبغ بن خليل على تجريمه وبالتالي إعدامه . وبعد مدة تلفظ هارون بن حبيب أخي عبد الملك بكلام يوحي بجرأة على بعض رموز الإسلام ، فأفتى جماعة الفقهاء بتجريمه ، فيما أكد ابن حبيب براءته .
وعند تفسيره للعداوة بين ابن حبيب وجماعة الفقهاء ، ذكر القاضي عياض أنّهم كانوا يحسدونه « لتقدّمه عليهم بعلوم لم يكونوا يعلمونها ، ولا يشرعون فيها » . وفعلا فقد كان
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 169
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٦٩